عندما تستدعيك ملكةُ الكتابة، تُلهمك غفوةً وتستشعرك عمرًا،
وتجعلك تخلع ثوبك العتيق المألوف، لترتدي تاجك المرهوف،
وتعتلي قمةَ عرشِ روحك، متجرّدًا من كل خوف،
لتكشف عن مكنون ذاتك ما كان مخفيًّا بين الحروف.
فالملكةُ مَلِكَةٌ، لها عرشٌ في الروح وتاج من حروف ، تأتي بالالهام ، لتعلّمك ما ليس معروفًا، أو موصوفًا، أو مكشوفًا،
وتكسوك دهشةً لا تشبه شيئًا؛ لأنها من رماد الليل تولّد ربيعًا،
وتوقظ الحلم من كفنه، وتزرع في أعماقك ينبوعَ الإلهام،
ليُطلق الحرفُ جناحيه، ويعانق الأفق،
وتوقظ الأشياء النائمة، وما خفي، وما يسكن في خفايا الروح.
ملكةٌ أسطورية، تسكن مملكةً لا تُرى، وراء أبواب الحياة لموصدة، وترتدي تاجًا لا تصنعه يدٌ، ولا تشتريه ثروة، ولا تمنحه ألقاب البشر.
إنها ملكةٌ الإلهام والشعور متوَّجة، لان الكلمات حين تمرّ بها تنحني، والمعاني حين تراها تستيقظ من سباتها، والورق حين تلمسه يكفّ عن كونه ورقًا، ويصبح نافذةً تطلّ منها الروح على عوالم لم تكن تعرف أنها تسكنها.
ولعلّك تتساءل: من أين تأتي هذه الملكة؟
من العقل تأتي؟ أم من القلب؟
أم من تلك المسافة الغامضة بين الحلم واليقظة، حيث لا نكون نائمين بما يكفي لننسى العالم، ولا مستيقظين بما يكفي لنخضع لقوانينه؟
تأتيك أحيانًا وأنت منشغل بأبسط الأشياء؛ وأنت ترتّب يومك، أو تحدّق في نافذةٍ لا تحمل شيئًا سوى عابرٍ يمضي، أو في ساعةٍ متأخرة حين ينام العالم، وتبقى روحك وحدها مستيقظة، كأنها تحرس سرًّا لم يُؤذَن له بالخروج بعد
وفجأة…
تلمع الفكرة.!
لا تستأذنك، ولا تعتذر عن مجيئها المتأخر، ولا تشرح لك كيف وصلت. تكتفي بأن تفتح في داخلك بابًا صغيرًا، فيندفع منه نهرٌ من الكلام، كأن الكلمات كانت محتجزةً خلف سدٍّ عظيم، ولم تكن تنتظر سوى تلك اللمسة الخفيّة لتتحرّر.
وهنا يحدث ما يشبه السحر.
تبحث عن كلمةٍ واحدة، فتجد خلفها مدينةً كاملة. تحاول وصف شعورٍ عابر، فتكتشف أنك تفتح قبرًا قديمًا لذكرى ظننت أنها ماتت. تكتب عن الحزن، فإذا بك تستخرج منه نجمة. وتكتب عن الفقد، فإذا بك تمنح الغائبين مقاعد من الضوء في ذاكرة لا تعرف كيف تطردهم
أحيانًا تكون مجرّد منقّبٍ في أعماقك، تحفر في صمتك حتى تعثر على جوهرةٍ دفنتها الأيام، ثم ترفعها إلى الضوء
وما أعجب هذه الملكة!
قد تغيب شهورًا، فتترك عرشها فارغًا، وتدع صاحب القلم يتخبّط في صحراء من الكلمات اليابسة. يكتب، ثم يمزّق. يبدأ، ثم يتراجع. يشعر بأن اللغة التي كانت يومًا حديقةً مفتوحة قد تحوّلت إلى جدارٍ أصمّ لا يستجيب لندائه
فالملكات العظيمات لا يظهرن في كلّ وقت؛ ولو ظهرن كلّ يوم، لما انتظرناهنّ بشوق، ولما عرفنا قيمة اللحظة التي يجلسن فيها على العرش.
وحين تعود، تعود بطريقةٍ تجعل الغياب يبدو كأنه كان جزءًا من الحكاية.
تأتيك بجملةٍ واحدة، فتنسى ليالي العجز كلّها. تمنحك استعارةً صغيرة، فتشعر أنك عثرت على مفتاحٍ لبابٍ ظلّ مغلقًا في وجهك سنوات. ثم تجلس أمام الورق، لا كمن يريد أن يكتب، بل كمن يخشى أن ينسى ما همست به السماء قبل أن تستعيد صمتها.
هي التي تسمع في سقوط المطر اعترافًا، وفي صمت الليل رسالةً مؤجّلة، وفي رحيل شخصٍ ما درسًا لم تكتبه الكتب، وفي نظرةٍ عابرة حكايةً يمكن أن تعيش أكثر من أصحابها.
هي التي لا تمرّ بالحياة مرور العابرين؛ بل تتوقّف عند التفاصيل التي يدوسها الجميع، وتنحني لتلتقط ما لم ينتبه إليه أحد: قطرة ماءٍ على حافة ورقة، ظلّ شجرةٍ يتيم على جدار، رسالةٌ لم تصل.
تلك هي المملكة التي لا تسقط بمرور الزمن؛ لأن عروش الحجر تسقط، والتيجان تصدأ، وأسماء الملوك تطويها الكتب، أمّا الكلمة التي لامست روحًا بصدق، فقد تظلّ حيّةً في قلب إنسانٍ لم يولد بعد.
وهكذا أفهم سرّ تلك الملكة.
ليست ملكةً لأن الكتابة تطيعها، بل لأنها تتعلّم من الكتابة كيف ترى. وليست متوّجةً لأنها تملك الإلهام، بل لأن الإلهام، حين يختارها، يمنحها لحظةً نادرة ترى فيها العالم بعينٍ أخرى؛ عينٍ لا تكتفي بما يبدو، بل تسأل عمّا يختبئ خلفه



