تقارير

الخرطوم تتجه لتوسيع الشراكات والتعاون معهما،، “موسكو وبكين”.. المصالح واستقلالية القرار..

 

الرهان على تعدّد الشركاء الدوليين.. الخروج من الأزمات..

المنطقة الحرة على ساحل البحر الأحمر..مشروع طموح..

الزراعة والتعدين والطاقة، مجالات استتثمارية واعدة..

السفير نادر: التوجه شرقاً مهم وتفكير خارج الصندوق..

إسماعيل

تقرير: إسماعيل جبريل تيسو..

حزم السودان أمره وقرّر التوجه شرقاً ببناء وتعزيز تحالفات سياسية واقتصادية مع كل من روسيا والصين، في خطوة تعكس رغبةً نحو تنويع الشراكات الدولية وتوسيع خيارات الخرطوم في مواجهة أزماتها المتراكمة، ويأتي مقترح رئيس مجلس السيادة، فريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، بإنشاء منطقة اقتصادية حرة على ساحل البحر الأحمر، ليمنح هذا التوجه بعداً اقتصادياً، ويفتح الباب واسعاً أمام استثمار الموقع الاستراتيجي للسودان وموارده في بناء شراكات تخدم مصالحه الوطنية، وتدعم جهود التعافي وإعادة الإعمار.

شراكات بلا إملاءات:

والواقع أن التقارب السوداني مع موسكو وبكين، يستند إلى رؤية معلنة تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، بعيداً عن الضغوط السياسية والتدخل في الشؤون الداخلية، وهي المفاهيم التي أكدها وزير الخارجية والتعاون الدولي السفير محيي الدين سالم، والذي قال إن علاقات السودان مع البلدين تقوم على أسس راسخة تحفظ سيادة البلاد واستقلال قرارها، مشدداً على أن السياسة الخارجية السودانية تنطلق من الانفتاح على مختلف الشركاء الدوليين، بما يحقق المصالح الوطنية العليا ويحفظ كرامة الشعب السوداني وحقه في تقرير مصيره، ويرى مراقبون أن هذا الموقف، يعكس رغبة الخرطوم في توسيع خطى حركتها الدولية، مستفيدة من التحولات التي يشهدها النظام العالمي وصعود قوى اقتصادية جديدة، فالسودان، الذي يواجه تحديات الحرب والضغوط الاقتصادية وتراجع قدرات قطاعات واسعة من اقتصاده، يحتاج إلى علاقات خارجية تتيح له الحصول على التمويل والتكنولوجيا والاستثمارات، دون أن تتحول هذه الاحتياجات إلى مدخل لفرض أجندات سياسية عليه.

دلالات المقترح السوداني:

ويُجمع خبراء اقتصاديون على أن مقترح السودان بإنشاء منطقة اقتصادية حرة على ساحل البحر الأحمر، تمثل أحد أبرز المداخل العملية لترجمة التقارب السوداني الروسي، إلى مشروعات ذات عائد اقتصادي، باعتبار أن الموقع الجغرافي للسودان، بإطلالته على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، يمنحه فرصة للتحول إلى مركز للتجارة والخدمات اللوجستية، وربط الأسواق الإفريقية بالموانئ وشبكات الإمداد الدولية.
ويرى الدبلوماسي والخبير في العلاقات الدولية وفضِّ النزاعات، السفير نادر فتح العليم، أن المقترح السوداني لإنشاء منطقة تجارة حرة ولوجستية ذات امتداد روسي إفريقي يمثل تفكيراً خارج الصندوق، ويعكس توجهاً نحو بناء شراكات استراتيجية تقوم على المنافع الاقتصادية والتجارية المشتركة، بدلاً من الاقتصار على التحالفات العسكرية والتفاهمات السياسية، ويوكد فتح العليم في إفادته للكرامة أن السودان يمتلك موارد وإمكانات يمكن توظيفها لخدمة اقتصاده والاقتصادات الإفريقية، مشيراً إلى أن تطوير البنية التحتية الزراعية والماكينة الزراعية الحديثة، إلى جانب التعاون الروسي في الزراعة والتعدين، يمكن أن يفتح آفاقاً للإنتاج والتبادل الاقتصادي ويسهم في سد فجوات في الأسواق الدولية، ولكن تحويل الفكرة إلى واقع يتطلب أكثر من التفاهمات السياسية، إذ يحتاج إلى دراسات جدوى واضحة، وتمويل مستدام، وبنية تحتية مؤهلة، وتشريعات تضمن حقوق المستثمرين والدولة، فضلاً عن توفير بيئة أمنية مستقرة، كما أن نجاح المنطقة المقترحة سيظل مرهوناً بقدرتها على استقطاب استثمارات منتجة، لا مجرد إنشاء منطقة تجارية تضاف إلى مشروعات لم تستكمل شروط نجاحها.

توسيع التعاون:

ولا تنحصر آفاق العلاقات السودانية الروسية في المجال الدفاعي فقط، إذ تتطلع الخرطوم، وفق تصريحات وزير خارجيتها، إلى توسيع التعاون ليشمل الاستثمار وتمويل المشروعات ونقل التكنولوجيا، ويؤكد خبراء اقتصاديون أن هذه المجالات، تمثل فرصةً لإعادة صياغة العلاقة على أسس أوسع، تجعل التعاون الاقتصادي والإنتاجي ركيزةً أساسية للشراكة، وتبدو الزراعة من القطاعات المرشحة للاستفادة من هذا التوجه، بالنظر إلى ما يمتلكه السودان من أراضٍ زراعية وموارد مائية وإمكانات إنتاجية، مقابل حاجته إلى التقنيات الحديثة والتمويل والمعدات وسلاسل التصنيع والتخزين والنقل، كما يتيح قطاع التعدين فرصاً أكبر للتعاون في مجالات التصنيع وإضافة القيمة إلى الموارد المحلية، بدلاً من الاكتفاء بتصديرها في صورتها الأولية كمواد خام.
وفي المقابل، تمثل الصين شريكاً محتملاً مهماً في مجالات البنية التحتية والطاقة والصناعة والتكنولوجيا، مستفيدةً من خبراتها وقدراتها الاستثمارية، ويمكن للتكامل بين الإمكانات الروسية في عدد من المجالات والقدرات الصناعية والتكنولوجية الصينية أن يوسع الخيارات المتاحة أمام السودان، شريطة أن تُبنى المشروعات على أولويات وطنية واضحة، وأن تحقق عوائد اقتصادية قابلة للتقييم والتقويم.

خاتمة مهمة:
ومهما يكن من أمر.. يبقى أن نشير إلى أن نتائج التوجه السوداني نحو روسيا والصين، ستقاس بما يمكن أن يحققه من أثر ملموس في حياة المواطنين، فالسودان الذي يعاني من اقتصاد أرهقته الحرب، وبنية تحتية مدمرة، وارتفاع كبير في معدل الفقر والنزوح، يحتاج إلى شراكات تسهم في استعادة الإنتاج وتوفير فرص العمل وتحسين الخدمات الأساسية، حيث يمكن للمنطقة الاقتصادية الحرة المقترحة، أن تمثل مدخلاً لجذب الاستثمارات وتحريك التجارة وتوفير فرص جديدة للشباب، كما يمكن للتعاون في الزراعة والتعدين والطاقة والصناعة أن يدعم الإيرادات العامة، ويعزز الصادرات، ويهيئ موارد إضافية لتمويل إعادة الإعمار، والمساهمة في مشروعات التنمية والاستقرار.

زر الذهاب إلى الأعلى