تقارير

سد ميغيتش بإثيوبيا… هل يغير في تدفقات النيل؟

في 23 أكتوبر 2026 وقف رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في مدينة غوندار التاريخية بإقليم أمهرا، وإلى جانبه الرئيس الغاني جون دراماني ماهاما، وأعلن افتتاح سد ميغيتش للري.
تقول الحكومة الإثيوبية إن المشروع يستهدف توسيع النشاط الزراعي، وتحسين إمدادات مياه الشرب، ودعم الاقتصاد المحلي، وخلق فرص عمل. ووصف آبي أحمد الإنجاز بأنه محطة كبرى لغوندار ومحيطها، وأكد أن المدينة تستحق مزيداً من التنمية.
يجهل كثير من القراء السودانيين هذا المشروع، ويستحق التعريف به لأنه يقع في حوض مائي يرتبط بالنيل الأزرق، وللإجابة عن أسئلته ينبغي النظر إلى موقع السد وحجمه وطبيعة استخدام مياهه، مع التمييز بين الحقائق المتاحة والافتراضات التي تحتاج إلى بيانات إضافية.
ما هو سد ميغيتش وأين يقع؟
يقع السد على نهر ميغيتش في منطقة غوندار، وهو أحد روافد بحيرة تانا، المنبع الرئيس للنيل الأزرق الذي يتجه غرباً عبر إثيوبيا إلى السودان، حيث يشكل أحد أهم روافد نهر النيل. تبلغ سعته التخزينية 185 مليون متر مكعب، وتغطي بحيرته 870 هكتاراً، ويستهدف ري أكثر من 17 ألف هكتار تفيد منها عشرات الآلاف من المزارعين.
وتحمل البحيرة الجديدة وعوداً أوسع، فهي توفر مياه شرب نظيفة لغوندار والبلدات المحيطة بها، وتفتح المجال أمام الثروة السمكية والزراعة الحضرية والمنتجعات السياحية، وتخلق فرص عمل للشباب.
يقع السد داخل الأراضي الإثيوبية، بعيداً عن الحدود السودانية، لكن المياه تتحرك وفق طبيعة الأحواض والأنهار وتتجاوز المسافات السياسية. ويعني ذلك أن السد جزء من منظومة مائية متصلة بالنيل الأزرق، وأن هذا الاتصال الهيدرولوجي يستحق الدراسة، دون أن يقتضي تلقائياً وجود نقص مؤثر في المياه الواصلة إلى السودان.
قصة المشروع
بدأت الأعمال في نحو عام 2013 أو 2014. وفي يونيو 2021 أعلن آبي أحمد أن نسبة الإنجاز بلغت 70%، وأن ثماني سنوات مضت على بدء البناء. ثم تعثر المشروع طويلاً، وتحدثت مصادر رسمية إثيوبية عن تأخير تجاوز 15 عاماً منذ إطلاقه.
أُسند المشروع في بدايته إلى مؤسسة الأشغال الإنشائية الإثيوبية، وهي مؤسسة عامة نشأت من دمج مؤسسة الأشغال المائية ومؤسسة الطرق. وبعد سنوات من الصعوبات أصدر آبي أحمد في 2024/2025 قراراً بتغيير المقاول، وأُوكل المشروع إلى مقاول جديد. واستعانت الحكومة بخبراء دوليين درسوا المشكلات الفنية وعالجوها، ثم جرى تحويل مجرى النهر وردم السد الرئيس بوتيرة متسارعة، وأعلنت الحكومة أن المراقبة المباشرة هي التي أوصلت المشروع إلى خط النهاية. وانتهى العمل خلال نحو عامين من إعادة الإطلاق.
أما عن التكلفة فتقول تقارير إثيوبية إن التقديرات ارتفعت من 2.5 مليار بير إلى 5.6 مليارات بير وقت التدقيق. وخلصت دراسة لجامعة جيما إلى تجاوز زمني بلغ 350% وتباين في التكلفة بنسبة 142% عن قيمة العقد الأصلية. وحددت دراسة لهيئة الأخلاقيات ومكافحة الفساد الاتحادية في 2025 أسباب التأخير في ضعف التمويل والمقاول ومشكلات التعويضات وقدرات الاستشاري.
اعترف المسؤولون الإثيوبيون بأخطاء البدايات، وأوقفوا مساراً متعثراً، وغيّروا المقاول، واستعانوا بالخبرة الدولية، وأتموا مشروعاً كان يمكن أن يبقى حبراً على ورق. وهذه إدارة تراجع نفسها وتصحح مسارها وتعطي المشروع حقه حتى يصل إلى الناس.
ميغيتش وسد النهضة: غرضان مختلفان
يخدم ميغيتش أغراض الري ومياه الشرب، ويختلف في ذلك عن سد النهضة الذي يقوم دوره الأساسي على توليد الكهرباء. وهذا الاختلاف في الغرض يحمل دلالة فنية، فالسدود التي تخزن المياه لتوليد الكهرباء تمرر كميات كبيرة منها بعد استخدامها في التوربينات، بينما ترتبط مشروعات الري باستهلاك جزء من المياه عبر المحاصيل والتبخر، ويتفاوت مقدار الاستهلاك بحسب نوع الزراعة وكفاءتها وظروف المناخ.
ولا يصح تعميم القاعدة في أي اتجاه، فسد الري لا يشكل بالضرورة خطراً أكبر من سد الكهرباء، ولا العكس. والأثر يتحدد بحجم التخزين، ومقدار الاستهلاك الصافي، وموقع المشروع، وتوقيت احتجاز المياه ومدته، والظروف المناخية، وحجم التدفقات الطبيعية في النهر.
ميغيتش في ميزان الأحجام
تبلغ سعة سد النهضة نحو 74 مليار متر مكعب، أي ما يقارب 400 ضعف سعة ميغيتش، وتبلغ سعة خزان الروصيرص السوداني بعد التعلية نحو 7.4 مليارات متر مكعب، أي ما يقارب 40 ضعفاً. وبذلك تعادل سعة ميغيتش نحو 2.5% من سعة الروصيرص، وأقل من ربع الواحد بالمائة من سعة سد النهضة. وتضع هذه المقارنة المشروع في حجمه النسبي الصحيح، وتميّزه عن المنشآت العملاقة التي غيّرت بالفعل طريقة إدارة المياه في حوض النيل الأزرق.
ويقع الروصيرص والنهضة على النيل الأزرق نفسه، أما ميغيتش فيرتبط بحوض بحيرة تانا الذي يغذي النيل الأزرق، فتختلف طبيعة الأثر المحتمل باختلاف موقع كل منشأة ودورها في النظام المائي. ومن المفيد أن تُفهم السعة على حقيقتها، فهي تمثل مقدار ما يتسع له الخزان، وكمية المياه التي يستهلكها المشروع كل عام أو يحجزها بصورة دائمة تختلف عنها. وكبر الخزان لا يعني أن كامل سعته يُستهلك من مياه النهر، وصغره لا ينفي أن يترك أثراً محلياً أو موسمياً إذا تزامن ملؤه مع انخفاض التدفقات أو توسع الري.
هل يغير ميغيتش شيئاً في تدفقات النيل؟
إن السعة المعلنة تدل على أن السد صغير نسبياً، وأن المعلومات المتاحة عن أهدافه المعلنة لا تثبت وجود تأثير كبير أو وشيك في إمدادات السودان المائية، كما أنها لا تكفي للجزم بانعدام أي أثر في المواسم الجافة أو عند تزامن التخزين مع زيادة السحب. ويمكن تصور ثلاثة مستويات من التأثير بوصفها احتمالات مشروطة، أولها مرحلة ملء الخزان، فإذا جرى التخزين بسرعة في فترة تنخفض فيها التدفقات فقد ينخفض مؤقتاً ما يصل إلى بحيرة تانا، ويتوقف حجم ذلك على كمية المياه المخزنة ومواعيد الملء. وثانيها استهلاك الري، فالمياه التي تمتصها النباتات أو تتبخر أو لا تعود إلى المجاري قد تقلل الكمية المتاحة في أجزاء لاحقة من الحوض، ويحتاج تقدير ذلك إلى معرفة المساحة المزروعة فعلياً ونوع المحاصيل وكفاءة الري ونسبة المياه العائدة. وثالثها الأثر التراكمي، فالسدود ومشروعات الري الصغيرة قد تكون محدودة الأثر كلاً على حدة، لكن تعددها على مدى سنوات يصبح مهماً إذا زاد الاستهلاك الصافي، ويقتضي افتراض أثر كبير حصراً دقيقاً للمنشآت وكميات السحب والتدفقات.
وفي المقابل تحمل إدارة المياه وتطوير البنية الزراعية منافع تنموية مشروعة، فهي تزيد الإنتاج وتحسن الأمن الغذائي وتوفر فرص العمل للمجتمعات المحلية. وتبقى هذه المنافع مشروعة ما دامت لا تضر بمستخدمي المياه في الدول الأخرى. وللوصول إلى تقدير أدق يحتاج الأمر إلى بيانات موثوقة عن التدفقات الموسمية، وجدول ملء الخزان، وحجم السحب السنوي، والمساحات التي ستُروى فعلياً، والتغير في كمية المياه الواصلة إلى بحيرة تانا ثم إلى النيل الأزرق. وما دامت هذه البيانات غير متاحة، يبقى أي حكم قاطع بالمبالغة أو بالاطمئنان الكامل سابقاً لأوانه.

زر الذهاب إلى الأعلى