الأعمدة

بين مصر وإثيوبيا.. سيادة السودان بمعيارين السيادة ليست ورقة للمساومة.. لماذا تصعّد سلطة بورتسودان ضد إثيوبيا وتصمت تجاه مصر؟

محمد الهادي
تصاعدت خلال الأيام الأخيرة هجمات الطائرات المسيّرة على محطات الكهرباء والمنشآت المرتبطة بشبكة الإمداد الكهربائي في مناطق خاضعة لسيطرة الجيش السوداني. ففي 26 أكتوبر، استهدفت هجمات خمس محطات تحويلية في ولايات الجزيرة وسنار والقضارف والنيل الأبيض، شملت الجنيد وسنجة والفاو والهوّاتا ومشكور، وألحقت أضراراً بالشبكة الكهربائية تسببت في انقطاع التيار عن مناطق واسعة. وفي اليوم التالي، تعرضت محطة المرخيات التحويلية شمال غربي أم درمان لهجوم جديد أدى إلى خروجها عن الخدمة وانقطاع الكهرباء عن أجزاء من العاصمة الخرطوم.
اتهمت مصادر عسكرية سودانية إثيوبيا بأنها منصة انطلاق للمسيّرات التي استهدفت محطات الكهرباء في 26 أكتوبر، وفق ما نقلته وسائل إعلام سودانية وإقليمية.
لكن السلطات لم تنشر، حتى الآن، أدلة فنية مستقلة تثبت مواقع إطلاق تلك المسيّرات، كما لم يصدر عن شركة الكهرباء بيان يربط الهجمات بالأراضي الإثيوبية.
وذهبت الاتهامات إلى تحميل إثيوبيا مسؤولية السماح باستخدام أراضيها لتنفيذ هجمات داخل السودان، في تطور يفتح الباب أمام تصعيد إقليمي يتجاوز حدود الحرب الدائرة بين الجيش والدعم السريع.
وكانت الخرطوم قد أثارت اتهامات تتعلق باستخدام الأراضي الإثيوبية في أنشطة عسكرية ضد السودان أمام مجلس الأمن في 16 أكتوبر، بينما رفضت إثيوبيا اتهامات مماثلة ووصفتها بأنها لا أساس لها من الصحة.
لكن الاتهام السياسي لا يمثل بديلاً عن الأدلة الفنية والتحقيق المستقل. وهنا تبرز أسئلة بشأن الأساس الذي استندت إليه سلطة بورتسودان في تحديد مصدر الهجمات، وما إذا كانت قد امتلكت أدلة مستقلة تؤيد روايتها، أم أن إعلانها جاء في إطار المواجهة السياسية والإقليمية مع إثيوبيا.
السيادة بمعيارين
لا تتعلق القضية هنا بتأكيد الاتهامات الموجهة إلى إثيوبيا أو نفيها، وإنما بكيفية تعامل سلطة بورتسودان مع الانتهاكات التي تطال الأراضي السودانية، وما إذا كانت تستند إلى معيار واحد في تحديد مواقفها السياسية والدبلوماسية.
في يونيو وأكتوبر، تعرضت منطقة جبل العقيدات، التي تقع داخل الأراضي السودانية، لهجومين نُسبا إلى الطيران المصري، وأسفرا، وفق تقارير متداولة، عن سقوط قتلى وجرحى من المعدّنين السودانيين. ومع خطورة هذه الوقائع، لم تعلن سلطة بورتسودان احتجاجاً رسمياً واضحاً أو موقف إدانة مماثلاً لحدة خطابها بشأن الهجمات الأخيرة على محطات الكهرباء. وتحت ضغط الرأي العام، أعلن قائد الجيش عبد الفتاح البرهان تشكيل لجنة لتقصي الحقائق بشأن ملابسات الهجوم.
تكشف هذه المقارنة عن تفاوت واضح في المواقف الرسمية لسلطة بورتسودان إزاء انتهاكات السيادة السودانية، تبعاً للجهة المتهمة بالوقوف وراءها. ففي حالة الهجمات المنسوبة إلى مصر، اتجهت السلطة إلى تشكيل لجنة لتقصي الحقائق، بينما أعلنت في حالة هجمات الكهرباء اتهامات مباشرة بشأن مصدر المسيّرات وصلته بإثيوبيا. ولا يعني ذلك بالضرورة أن الرواية الرسمية بشأن إثيوبيا خاطئة، لكنه يطرح سؤالاً عن اختلاف مستوى الجزم، وعن الأدلة التي تبرر هذا الاختلاف.
لماذا تحتاج الهجمات المنسوبة إلى الطيران المصري إلى لجنة لتقصي الحقائق، بينما تعلن السلطة تحديد مصدر المسيّرات الأخيرة من دون انتظار نتائج تحقيق مستقل معلنة؟ وهل تتعامل سلطة بورتسودان مع انتهاكات السيادة وفق معيار وطني ثابت، أم أن حساباتها السياسية وعلاقاتها الإقليمية تؤثر في طبيعة استجابتها؟
أربعة احتمالات تحتاج إلى التحقيق
في غياب أدلة مستقلة تحسم هوية منفذي الهجمات ومصدر انطلاق المسيّرات، يمكن طرح أربعة احتمالات رئيسية، مع ضرورة التعامل معها بوصفها فرضيات وليس نتائج مؤكدة.
الاحتمال الأول أن تكون قوات الدعم السريع قد نفذت الهجمات من داخل الأراضي السودانية، في إطار الرد على الهجوم الجوي الأخير الذي استهدف مدينة نيالا.
أما الاحتمال الثاني، فهو أن تكون قوات الدعم السريع قد نفذت الهجمات انطلاقاً من الأراضي الإثيوبية، بمساعدة أو تسهيل من أطراف إثيوبية. ويربط هذا الاحتمال بين التطورات العسكرية والتوترات الإقليمية، بما في ذلك الاتهامات المتعلقة بدعم سلطة بورتسودان لجبهة تيغراي.
أما الاحتمال الثالث، فهو أن تكون الهجمات قد نُفذت بواسطة جهات مرتبطة بسلطة بورتسودان نفسها، في سياق الصراعات داخل التحالف الحاكم.
وهناك إحتمال رابع، هو أن الهجمات جاءت بهدف توظيفها سياسياً لصرف الأنظار عن قضيتين، الأولى الانهيار الاقتصادي في مناطق سيطرة الجيش، و الثانية تداعيات الهجمات التي استهدفت المعدّنين السودانيين في جبل العقيدات.
ولا تتساوى هذه الفرضيات بالضرورة في قوة الأدلة المؤيدة لها. كما أن عدم إعلان أدلة تثبت الرواية الرسمية لا يشكل، في حد ذاته، دليلاً على صحة أي من الفرضيات البديلة. والحسم يظل رهناً بالتحقيق في مسارات المسيّرات، ومواقع إطلاقها، وطبيعتها الفنية، وبقايا الذخائر، والشهادات المتاحة، وأي معلومات مستقلة يمكن التحقق منها.
من يحدد حقيقة ما جرى؟
تتجاوز أهمية الهجمات الأخيرة مسألة انقطاع الكهرباء، على الرغم من الأضرار المباشرة التي تلحق بالسكان والخدمات الأساسية. فالقضية تتصل أيضاً بكيفية إدارة سلطة بورتسودان للحرب، وبمدى شفافية مواقفها عندما يتعلق الأمر باتهامات خطيرة تمس السيادة السودانية وعلاقات البلاد مع دول الجوار.
إذا كانت السلطة تمتلك أدلة تثبت انطلاق المسيّرات من الأراضي الإثيوبية، فإن نشر ما يمكن الكشف عنه من هذه الأدلة وإخضاعها للتحقق المستقل من شأنه أن يعزز موقفها. وإذا كانت الأدلة غير مكتملة، فإن تقديم الاتهامات باعتبارها حقائق محسومة يثير أسئلة مشروعة عن دوافع الخطاب الرسمي وتوقيته.
وفي المقابل، فإن الصمت أو التحفظ إزاء الهجمات المنسوبة إلى مصر يستدعيان تفسيراً واضحاً، لا سيما إذا كانت الوقائع المتعلقة بمقتل المعدّنين السودانيين داخل الأراضي السودانية لم تُحسم بعد بصورة مستقلة.
في النهاية، لا يتوقف السؤال عند الجهة التي أطلقت المسيّرات على محطات الكهرباء، ولكن، يمتد السؤال إلى معيار سلطة بورتسودان في التعامل مع انتهاكات السيادة، هل تتحرك لحماية الأراضي السودانية ودماء مواطنيها وفق قواعد ثابتة، أم تتباين مواقفها بحسب هوية الطرف المعتدي وحسابات الصراع السياسي والإقليمي؟

زر الذهاب إلى الأعلى