
(موطئ قلم)
محمد عبد الله برقاوي
في تنقلاتنا المختلفة عبر الأمصار القريبة والأقطار البعيدة، والتي ساقتنا إليها خطى السفر، فقد جمعتنا الظروف بمختلف الشعوب والثقافات. وتلك واحدة من فوائد السفر الكثيرة، إذ تتيح للإنسان أن يرى نفسه بعيون الآخرين، وأن يصغي إلى صوته بغير مسامعه.
وبذات القدر، تعرفنا عن كثب على طرائق تفكير مختلف الأقوام والشعوب، وعاداتهم ولغاتهم، وتركيباتهم الطبقية وتعقيداتهم الاجتماعية وفوارقهم الإثنية. وكنا نعتقد أنهم، في أوطانهم، أكثر انسجاماً مما تكشفه لنا تفاصيل التلون والتنافر داخل مجتمعاتهم، مثلما تعرفوا هم على طبيعة تنوعنا الذي نحاول جاهدين الدفاع عنه أمامهم باعتباره تكاملاً يجمل اللوحة، رغم علمنا بأن فيها من الخربشات ما يستوجب إصلاحه فعلاً لا قولاً.
غير أن أكثر ما كان يلفت انتباههم في نقاشات جلساتنا، التي يراقبون مساراتها وهم يجلسون بيننا في مختلف المناسبات، مفرحة كانت أم حزينة، وحتى في الملمات، داخل أنديتنا وتجمعاتنا خارج الوطن، هو ذلك التكاتف النوعي الذي يثير إعجابهم في كثير من جوانبه الفريدة.
لكن ما كان يعقد حواجب دهشتهم واستغرابهم حقاً هو جرأتنا في طرح الأمور السياسية، وكيل النقد لحكامنا دون أدنى تحفظ، حتى في وجود سفير بلادنا لدى الدولة التي نقيم فيها، إن تصادف حضوره بيننا لسبب أو لآخر!
وهو أمر ينأى كثيرون منهم بأنفسهم عنه، لا سيما عرب ما قبل هبوب الكتاحة المسماة ربيعاً، حتى وإن فصلتهم عن أوطانهم آلاف الأميال. وسرعان ما تجدهم يعتذرون بأنهم لا يعرفون شيئاً عن الشأن السياسي، لا سيما عامة الناس منهم. بيد أن ذلك لا ينفي أن المثقفين والمشتغلين بالشأن العام قد يلمحون بآرائهم لمن يثقون فيهم من السودانيين، ولكن ليس في حضرة الآخرين بالطبع!
فإذا كان حالنا في الخارج كذلك، فما هو إلا صدى لما يحدث في الداخل. فالمأتم عندنا قد يتحول إلى ليالٍ سياسية، بغض النظر عما إذا كنا نعرف من بين الضيوف المعزين من نعرف أو لا نعرف. والحافلات تجدها تضج بالجدل بين مؤيد ومعارض، حتى يترجل الركاب في محطاتهم!
فالكل يتحدث، وخاصة أولئك الذين يدعون أنهم لصيقون بحوائط مطابخ صناعة القرار، ويسترقون السمع لما يدور خلف أبوابها، أو أن هناك من أسرّ إليهم بما يتباهون بظفرهم به من معلومات، لينثروها في هواء الهرج المفتوح بالصيوانات والصالونات المشرعة النوافذ، وفي جلسات الأنس ذات البراحات المحضورة، تقويةً لحججهم ولفتاً للأنظار إليهم، باعتبارهم أصحاب شأن ومكانة، أياً كانت خطورة ما يتفوهون به أو درجة سريته!
ولسنا هنا في حاجة إلى موقع «ويكيليكس» الذي يجمع أدق أسرار العالم السياسية، وتفاصيل ثروات الزعماء لكشف فسادهم، إلى آخر ما ترتج له مسامع العالم من أسرار القصور وفضائح الملوك والأمراء والنجوم ورجال الأعمال وسيدات الأوساط المخملية!
فقد يحدث أن يقوم فرد بسيط داخل جهاز سيادي سوداني حساس بتسريب أخطر مداولات اجتماعات ذلك المرفق، إما بسبب غياب الحيطة اللازمة لدى مسؤوليه في تأمين الوثائق والمعلومات، وإما بإيعاز منهم، لغاية في نفوسهم، بقصد استكشاف ردود فعل الرأي العام تجاه فحواها، أو توجيهها إلى جهة بعينها، على طريقة: «إياك أعني واسمعي يا جارة». وبذلك يتيحون لأنفسهم ترتيب خططهم وفق ما يرونه محققاً لمصالحهم، أو تجنباً لما قد يلحق بهم من أضرار.
فليس في السودان، فيما يبدو، ما يمكن أن يُكتب عليه بالخط الأحمر: «سري للغاية»، مهما بلغت درجة حساسيته أو خطورته!
بل إن الأمر يتجاوز الوثائق والمداولات إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فحتى نطفة الفكرة التي لم تخرج بعد سائلاً على سطور الورق، أو علقة الرأي التي لا تزال تتخلق في ذهن صاحبها، هناك من يستطيع قراءتها في شاشة عينيه، قبل أن يكتمل شريطها ويصبح جاهزاً للتحميض والعرض، وكأنها مناظر لما سيشاهده الناس غداً!
ومثل هذا الذي أكتبه الآن، لكونه «سرياً للغاية»، فإن رجائي أن يظل محفوظاً أمانة في بئر الثقة بيني وبينكم.
وسامحونا..



