الأعمدة

القاهرة تدين قتل المدنيين في السودان…يا للمفارقة!!! استفزاز لكرامة شعب بأكمله ونفاق سياسي مكتمل الأركان!!!

علاء محمد عبدالرحيم.
■في بيان صدر يوم ٣١ اكتوبر ٢٠٢٦، خرجت وزارة الخارجية المصرية لتدين تصاعد الهجمات بالطائرات المسيّرة في السودان، وما تسفر عنه من سقوط ضحايا مدنيين واستهداف المنشآت الحيوية والبنية التحتية، ووصفت ذلك بأنه انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني. كما شددت القاهرة على ضرورة حماية المدنيين، ووقف تدفق السلاح إلى قوات الدعم السريع عبر الدول المجاورة، واحترام سيادة السودان ووحدة أراضيه وعدم التدخل في شؤونه الداخلية. كلام جميل، ومبادئ لا خلاف عليها، لولا أن القاهرة نفسها مطالبة بالإجابة عن أسئلة ثقيلة تتعلق بالغارات الجوية المصرية التي استهدفت منقّبي الذهب السودانيين داخل الأراضي السودانية، وسقط فيها مدنيون وفق تقارير متداولة. وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا؛ بأي حق تنصّب القاهرة نفسها واعظًا في حرمة الدم السوداني، بينما لا تزال دماء ضحايا الغارات المنسوبة إليها تنتظر الحقيقة والتحقيق والمحاسبة؟! لم تكتفِ القاهرة بإدانة الهجمات، بل وصفت استهداف المدنيين والمنشآت الحيوية بأنه انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني، وطالبت دول الجوار باحترام سيادة السودان. ليظل السؤال الذي لا تستطيع القاهرة الهروب منه هو؛ هل تنطبق هذه المبادئ على الآخرين وحدهم، أم تشمل مصر أيضًا؟ أم أن دماء السودانيين تصبح جديرة بالحماية حين تسقط على أيدي الآخرين، وتصبح مباحة حين تسقط بقنابل الطائرات المصرية؟ إن الغارات التي استهدفت منقّبي الذهب السودانيين داخل الأراضي السودانية ليست تفصيلًا عابرًا يمكن تجاوزه ببيان دبلوماسي، ولا حادثة يمكن طمسها بالصمت. فإذا كانت القاهرة تؤمن فعلًا بأن استهداف المدنيين جريمة وانتهاك للقانون الدولي، فإن أول ما يُنتظر منها هو أن تواجه الأسئلة المتعلقة بغاراتها، وأن تكشف نتائج التحقيقات، وأن تتحمل المسؤولية عن أي انتهاكات تثبتها الأدلة. أما أن تتحدث عن حماية المدنيين وسيادة السودان، بينما تتجاهل دماء السودانيين التي أُريقت بفعل عمليات عسكرية مصرية داخل بلادهم، فذلك هو النفاق السياسي في أوضح صوره. وليس في هذا الموقف دفاع عن هجمات المسيّرات أو تبرير لاستهداف المدنيين من أي طرف.
■ دماء السودانيين ليست مادة للمساومة السياسية، ولا يجوز أن تتحول حماية المدنيين إلى شعار انتقائي. فالقاهرة، التي ترفع اليوم صوتها دفاعًا عن القانون الدولي، مطالبة بأن تخضع هي الأخرى لمقتضياته، وأن تكف عن التعامل مع السودان باعتباره ساحة مفتوحة لمصالحها الأمنية والاقتصادية. إن السيادة السودانية ليست منحة مصرية، وحماية المدنيين ليست امتيازًا تمنحه القاهرة لمن تشاء وتحجبه عمن تشاء. وإذا كانت مصر جادة في رفضها قتل الأبرياء، فعليها أن تبدأ من دماء السودانيين الذين سقطوا في الغارات المصرية. أما أن تدين القاهرة قتل المدنيين في السودان، وتلتزم الصمت تجاه ضحاياها، فذلك ليس دفاعًا عن الإنسانية، بل استفزاز لضحاياها، ونفاق سياسي لا يستره بيان دبلوماسي.
يا للمفارقة حين تتحول الدولة التي يُتهم طيرانها بقتل سودانيين داخل وطنهم إلى واعظ أخلاقي يوزع دروس القانون الدولي وحقوق المدنيين! إن القاهرة مطالبة بأن تبدأ بنفسها قبل أن تحاضر الآخرين؛ فدماء السودانيين ليست أقل حرمة من دماء غيرهم، وسيادة السودان ليست تفصيلًا في دفتر الأمن القومي المصري، وأرضه ليست ساحة مستباحة لحسابات القاهرة. فمن يطالب بحماية المدنيين عليه ألا يكون موضع اتهام بقتلهم، ومن يدين انتهاك السيادة عليه ألا يُتهم بانتهاكها، ومن يرفع راية القانون الدولي عليه أن يقبل أولًا بالخضوع لأحكامه. أما أن تقتل ثم تدين القتل، وتنتهك ثم تتحدث عن السيادة، وتصمت عن ضحاياها ثم تتباكى على ضحايا الآخرين، فذلك ليس تناقضًا دبلوماسيًا فحسب، بل استفزاز لكرامة شعب بأكمله ونفاق سياسي مكتمل الأركان. نقول للقاهرة؛ لن تغسل بيانات الخارجية دماء السودانيين، ولن تمنحك بلاغة البيانات صك براءة، ولن يكون صمت سلطة بورتسودان عفوًا باسم الشعب السوداني. السودان ليس حديقة خلفية لمصر، والسودانيون ليسوا رعايا في دولة أخرى، ودماؤهم ليست مباحة لأحد. ومن يظن أن بإمكانه قتل السودانيين نهارًا ثم البكاء عليهم في بيانات المساء، فقد أساء تقدير ذاكرة هذا الشعب وكرامته.

زر الذهاب إلى الأعلى