
(موطئ قلم)
محمد عبد الله برقاوي
الآن، وفي ظل تواتر الأنباء اليومية عن تزايد هجمات المسيّرات، التي بدأت تضرب في عمق الجغرافيا السودانية، وتتجاوز ذلك إلى العمق الاستراتيجي للبلاد، مستهدفةً مرافق الخدمات الحيوية للمواطن، فإن الواضح جلياً أن هذه الحرب بدأت تنزلق إلى درك سحيق، يتجاوز حدودها المأساوية ليلامس خطوط الكارثة الإنسانية، التي قد تسقط البلاد في فجوة المفاضلة بين الحديث عن الكرامة والسيادة الوطنية، وبين حق الإنسان في البقاء والحياة، في ظل ظروف تجاوزت مرحلة الصبر وفرضية الاحتمال.
ولعل البعد الإقليمي الذي ظل يطل برأسه في مجريات هذه الحرب، بات الآن أكثر وضوحاً وتوغلاً، وباتت شواهده تتجلى فيما يمكن أن نسميه، حقيقة لا مجازاً، حرب الظلام.
ولعل الاتهامات الصريحة التي وجهتها الحكومة السودانية إلى الجارة إثيوبيا، باعتبارها قاعدة انطلاق لمسيرات هذه الحرب، تقابلها إثيوبيا بالاستنكار والنفي، في تطور انعكس بدوره على العلاقات بين البلدين، ومن ذلك قرار طرد موظفي القنصلية السودانية بمدينة أصوصا، التي أشار بيان الاتهام السوداني إلى أنها تمثل منصة انطلاق لمسيرات الدعم السريع، لإحراق ما تبقى من شرايين الحياة في السودان العليل.
ولسنا هنا في حاجة إلى التدليل على أن استهداف محطات الكهرباء تباعاً سيؤثر بالضرورة في دولاب الخدمات، على الرغم مما يعانيه أصلاً من شح وتدهور، لكنه، قبل ذلك وبعده، سيضرب في عصب حياة الناس، الذين بلغ بهم الضيق من تدني أوضاعهم المعيشية والخدمية مبلغاً لم يعد معه الصبر كافياً لاحتمال المزيد.
ولعل أسوأ ما في الأمر أن أطراف هذه الحرب لا يدركون، أو يتجاهلون، أنهم يمضون بالوطن إلى مصير مجهول، بعد أن جعلوه أداة في حرب إقليمية، يخوضها الآخرون عبرهم، حتى أصبحوا وسيلة لتصفية حسابات الغير فوق سمائه وترابه ومياهه، بينما يدفع السودان وشعبه الثمن الباهظ.
ولن يفيد هذا الشعب أن ترسل حكومته، المغلوبة على أمرها، مناشداتها المستجدية إلى مجلس الأمن الدولي أو مجلس السلم والأمن الأفريقي، كما لن يزيده تلذذ الدعم السريع بمشاهد دخان مسيراته، وإظلام نهاره ومساءاته، إلا بؤساً فوق بؤسه، في ظل غياب الوضوح بشأن الأهداف التي يتطلع طرفا الحرب إلى تحقيقها، بينما الوطن يحترق في الظلام، وأهله يموتون جوعاً وعطشاً، بعد أن سبق أن ماتوا حرباً!
كان الله في عونهم، وأنصفهم ممن ظلمهم واعتدى عليهم، واقتص لهم من كل ظالم ومتعدٍ أثيم!



