
كتبه: د. محمد علي عطا
في العصر الجاهلي في العراق عاشت قبيلة إياد بعد هجرتها من أرض الجزيرة العربية، وكانت لها مناوشات مع الدولة الفارسية، منها هجومها على قافلة فيها امرأة فارسية زُفَّت لزوجها؛ مما أثار حنق الدولة الفارسية، فجهَّزت جيشًا وحاربت إيادًا فهزمتهم إياد في معركة سميت دير الجماجم؛ لكثرة ما جمعت إياد من جماجم جند الفرس، فازداد حنق الفرس وعزموا على جمع جيش أكبر، يضم ستين ألف جندي، وملاقاة إياد، وكان الشاعر لقيط بن يعمَر الإيادي يعمل كاتبًا عند كسرى، فكتب مقطَّعة دالية وقصيدة طويلة عينية؛ لتحذيرهم من نية الدولة الفارسية.
وحظيت هذه القصيدة بالعناية قديمًا وحديثًا، وكُتبت عليها بحوث كثيرة تناولتها من مختلف الجوانب النقدية، غير أني رأيت فيها مضمرات من القول يجدر ذكرها، هي:
– غيبة الحث بالدافع الديني: نلاحظ أن الشاعر نوَّع في أساليب حثّ قومه على القتال، وحرص على ذكر دوافع قوية تبعثهم للقتال؛ من خوف ضياع مجدهم الذي كان، والخوف على الأرض، والخوف على المال من إبل وغنم وزرع، والخوف على النساء:
إِنّي أَراكُم وَأَرضاً تُعجَبونَ بِها مَثلَ السَّفينَةِ تَغشى الوَعثَ وَالطَّبَعا
لا تُلهِكُم إِبِلٌ لَيسَت لَكُم إِبِلٌ إِنَّ العَدُوَّ بِعَظمٍ مِنكُمُ قَرَعا
لا تُثمِروا المالَ لِلأَعداءِ إِنَّهُمُ إِنْ يَظهَروا يَحتَووكُم وَالتِّلادَ مَعا
هَيهاتَ لا مالَ مِن زَرعٍ وَلا إِبِلٍ يُرجى لِغابِرِكُم إِنْ أَنفُكُم جُدِعا
وَاللهِ ما انفَكَّتِ الأَموالُ مُذ أَبَدٍ لِأَهلِها إِنْ أُصيبوا مَرَّةً تَبَعا
ماذا يُرَدُّ عَلَيكُم عِزُّ أَوَّلِكُمُ إِن ضاعَ آخِرُهُ أَو ذَلَّ وَاتَّضَعا
يا قَومِ إِنَّ لَكُم مِن إِرثِ أَوَّلِكُم مَجداً قَد اشفَقتُ أَنْ يَفنى وَيَنقَطِعا
وَاشروا تِلادَكُمُ في حِرزِ أَنفُسِكُم وَحِرزِ نِسوَتِكُم لا تَهلِكوا هَلَعا
يا قَومِ لا تَأمَنوا إِنْ كُنتُمُ غُيُراً عَلى نِسائِكُمُ كِسرى وَما جَمَعا
هُوَ الجَلاءُ الَّذي يَجتَثُّ أَصلَكُمُ فَمَن رَأى مِثلَ ذا رَأياً وَمَن سَمِعا
وخوَّف من أن الجيش الفارسي لن يخاف الله فيهم:
أَبناءُ قَومٍ تَأَوَّوكُم عَلى حَنَقٍ لا يَشعُرونَ أَضَرَّ اللهُ أَم نَفَعا
وأقسم الشاعر بالله مرة في قصيدته:
وَاللهِ ما انفَكَّتِ الأَموالُ مُذ أَبَدٍ لِأَهلِها إِن أُصيبوا مَرَّةً تَبَعا
ولكنه لم يذكر الدين إطلاقًا كدافع للقتال وكانت قبيلته وثنية تعبد صنمًا يدعى “ذا الكعبين” أو “الكعبات”، وبنت له هيكلًا في سنداد عُرف باسم كعبة شداد، ثم تحولت للمسيحية، وكان لقيط في البلاط الفارسي المجوسي، ولكن لا أثر للدين في دوافع القتال التي ذكرها، ربما لاستشعاره رقة الدين عند قومه، وعدم جدوى ذلك، أو لأنه لا يؤمن بعلاقة الدين بالنصر والهزيمة ويوكل ذلك إلى الإعداد فقط.
-خوف التشكيك: ظهر في الأبيات تأكيد الشاعر على أنه ناصح صادق، ولعل ما دعاه إلى تصور شك قومه في صدق تحذيره، أنه يتنعم في بلاط كسرى في حياة أفضل من حياة قومه، ويصعب أن يُصدِّق عقل أن يُضحي بما فيه من نعيم من أجل إنذار قومه، وقد يظن قومه أنه استُخدم في حيلة فارسية:
أَبلِغ إِياداً وَخَلِّل في سَراتِهِمِ أَنّي أَرى الرَأَيَ إِن لَم أُعصَ قَد نَصَعا
لَقَد بَذَلتُ لَكُم نُصحي بِلا دَخَلٍ فَاستَيقِظوا إِنَّ خَيرَ العِلمِ ما نَفَعا
-الإيغال في الوهن: أطال الشاعر في إيقاظ قومه وحثهم على القتال وتبصيرهم بحالهم، ولم يكتف بمس ذلك مسًّا، بل فصَّل تفصيلًا، ولعل هذا لما يعلم من انحطاط حال قومه، وحاجتهم لعلاج طويل ناجع؛ نتيجة كثرة معافستهم لمتاع الدنيا، حتى صاروا في رخاوة طويلة، بل وصل ظنه في وهنهم أنهم لا يحسنون وضع خطة لأنفسهم لمواجهة كسرى، فوضع لهم خطة تفصيلية تبدأ من توحيد الجبهة داخليًّا، وإعداد أسلحة الحرب الجياد والسيوف القوية والعيون الراصدة، ووصف لهم صفات القائد الذي يجب أن يلتفوا حوله تفصيلًا؛ مما يعني أن قومه يعانون من التفكك الاجتماعي وضعف القيادة، وضعف الأفراد عن معالجة حالهم بأنفسهم، ففصل لهم كيف يجمعون أمرهم، وكيف يعدون أنفسهم:
قوموا قِياماً عَلى أَمشاطِ أَرجُلِكُم ثُمَّ افزَعوا قَد يَنالُ الأَمنَ مَن فَزِعا
صونوا جِيادَكُمُ وَاجلوا سُيوفَكُمُ وَجَدِّدوا لِلقِسِيِّ النَّبلَ وَالشّرَعا
فاقنَوا جِيادَكُمُ وَاحموا ذِمارَكُمُ وَاستَشعِروا الصَّبرَ لا تَستَشعِروا الجَزَعا
وَاشروا تِلادَكُمُ في حِرزِ أَنفُسِكُم وَحِرزِ نِسوَتِكُم لا تَهلِكوا هَلَعا
أَذكوا العُيونَ وَراءَ السَّرحِ وَاحتَرِسوا حَتّى تُرى الخَيلُ مِن تَعدائِها رُجُعا
ووصف لهم صفات القائد الذي يجب أن يلتفوا حوله بقوله:
فَقَلِّدوا أَمرَكُمُ لِلَّهِ دَرُّكُمُ رَحبَ الذِّراعِ بِأَمرِ الحَربِ مُضطَلِعا
لا مُشرِفاً إِن رَخاءُ العَيشِ ساعَدَهُ وَلا إِذا عَضَّ مَكروهٌ بِهِ خَشَعا
وَلَيسَ يَشغَلُهُ مالٌ يُثَمِّرُهُ عَنكُم وَلا وَلَدٌ يَبغي لَهُ الرَّفَعا
يَسعى وَيَحسِبُ أَنَّ المالَ مُخلِدُهُ إِذا استَفادَ طَريفاً زادَهُ طَمَعا
مُسَهَّدَ النَومِ تَعنيهِ ثُغورُكُمُ يَرومُ مِنها إِلى الأَعداءِ مُطَّلَعا
ما انفَكَّ يَحلُبُ دَرَّ الدَّهرِ أَشطُرَهُ يَكونُ مُتَّبِعاً طَوراً ومُتَّبَعا
حَتّى استَمَرَّت عَلى شَزرٍ مَريرَتُهُ مُستَحكِمَ السِّنِّ لا قَحْماً وَلا ضَرَعا
كَمالِكِ بنِ قَنانٍ أَو كَصاحِبِهِ زَيدِ القَنا يَومَ لاقى الحارِثَينِ مَعا
إِذ عابَهُ عائِبٌ يَوماً فَقالَ لَهُ دَمِّث لِجَنبِكَ قَبلَ اللَيلِ مُضطَجَعا
فَساوَروهُ فَأَلفَوهُ أَخا عَلَلٍ في الحَربِ يَحتَبِلُ الرِّئبالَ وَالسَّبُعا
عَبلَ الذِراعِ أَبِيّاً ذا مُزابَنَةٍ في الحَربِ لا عاجِزاً نِكساً وَلا وَرَعا
مُستَنجِداً يَتَحَدّى الناسَ كُلَّهُمُ لَو قارَعَ الناسَ عَن أَحسابِهِم قَرَعا
لا يَطعَمُ النَومَ إِلّا رَيثَ يَبعَثُهُ هَمٌّ يَكادُ سَناهُ يَقصِمُ الضِّلَعا
-قتال الأحرار وقتال العبيد: وصف لقيط جيش الفرس بأنهم أحرار وبأنهم أبناء ملوك، وهنا مضمر من القول لم يبح به الشاعر، وهو أنهم أبناء سياسة وحرب وارثون لخبراتها، ويقاتلون عن مبدأ ويقاتلون بصدق دفاعًا عن ملكهم وهيبته، عكس العبد الذي يقاتل لا عن مبدأ بل يُدفع دفعًا من قومه، فيكون همه أن يحفظ حياته، ولا يعنيه أن يقع أسيرًا، فلا فرق عنده بين أن يُسترق هنا أو هناك:
أَحرارُ فارِسَ أَبناءُ المُلوكِ لَهُم مِنَ الجُموعِ جُموعٌ تَزدَهي القَلَعا
-خطأ اعتداء قبيلة إياد على نساء فارس: حيث من أسباب العداء بينهما أن إيادًا اعتدت على عروس فارسية وقت زفافها، مما أثار حنق أهل فارس عليهم لشناعة المس بالنساء، ولمَّح الشاعر لهذه الشناعة في الفعل بتخويف قومه على نسائهم من الانتقام بالمثل، فقال:
وَاشروا تِلادَكُمُ في حِرزِ أَنفُسِكُم وَحِرزِ نِسوَتِكُم لا تَهلِكوا هَلَعا
يا قَومِ لا تَأمَنوا إِن كُنتُمُ غُيُراً عَلى نِسائِكُمُ كِسرى وَما جَمَعا
– حمولة التاريخ: إذا كان للقبيلة تاريخ طويل فهذا سلاح ذو حدين؛ فقد يؤدي إلى الثقة والغرور وترك العمل والاتكاء على هذا الإرث، وقد يكون باعثًا على الحفاظ على هذا الإرث من أن يمس وأن ينتهي بنهاية غير مشرفة، ولعب الشاعر على هذين الوطرين معًا، فقال:
ماذا يُرَدُّ عَلَيكُم عِزُّ أَوَّلِكُمُ إِنْ ضاعَ آخِرُهُ أَو ذَلَّ وَاتَّضَعا
يا قَومِ إِنَّ لَكُم مِن إِرثِ أَوَّلِكُم مَجداً قَد اَشفَقتُ أَن يَفنى وَيَنقَطِعا
-عدم الثقة في حدوث النصر: رغم حث لقيط قومه للنهوض من الغفلة والإعداد للحرب، واتباع غالب السبل لدفعهم لذلك، ووضع خريطة طريق مفصلة للقيام بذلك، لمَّح إلى إمكان الهزيمة بعد ذلك كله، ولكن يكفيهم شرف المحاولة والأخذ بالأسباب الممكنة، يظهر هذا في قوله:
فَإِن غُلِبتُم عَلى ضِنٍّ بِدارِكُمُ فَقَد لَقيتُم بِأَمرٍ حازِمٍ فَزَعا
وسبب عدم ثقته في حدوث النصر ربما لأنه رأى عدم التكافؤ بين قوة الفرس وقوة إياد حتى لو استعدوا أتم الاستعداد، ولكنه حرص على شرف النهاية.
-خيانة مشروعة: إن ما قام به لقيط بن يعمَر هو خيانة للبلاط الفارسي الذي يعمل فيه، لكنها خيانة مشروعة حيث لم يخن من أجل مالٍ أو جاهٍ، بل من أجل إنقاذ قومه ووفاءً لهم؛ لذلك خلّد التاريخ فعله وقدره.
– تأثير النثر على الشعر: لقيط بن يعمَر كاتب ناثر أكثر منه شاعرًا، والموقف بما فيه من خوف الانكشاف لكسرى، وسرعة الكتابة وسرعة التبليغ يدعو إلى كتابة الرسالة نثرًا، ولكنه اختار أن يرسل لقومه الرسالة شعرًا؛ لأنها ألصق بذائقة قومه العرب، وأعلق بالذاكرة، وأعمق في التأثير.
ولكنه لم يخرج عن كثير من مواصفات النثر في رسالته الشعرية: حيث جعل لها مقدمة مجملة في أربعة أبيات، بدأها بالسلام والمُرسِل والمرسَل إليه:
سَلَامٌ في الصَّحيفةِ مِنْ لَقِيْطٍ إِلَى مَن بِالجَزيرةِ مِن إِيَادِ
بِأَنَّ اللَّيثَ كِسْرَى قَدْ أَتَاكُمْ فَلَا يَشْغَلْكُمُ سُوْقُ النّقادِ
أَتَاكُمْ مِنْهُمُ سِتُّوْنَ أَلْفًا يَزُجُّوْنَ الكَتَائِبَ كَالجَرَادِ
عَلَى حَنَقٍ أَتَيْنَكُمُ فَهَذَا أَوَانُ هَلاكِكُمْ كَهَلَاكِ عَادِ
ثم فصل في قصيدته العينية، وأيضًا أخذت شكل الرسالة، فقد ذكر في صدرها المرسل إليها:
أَبلِغ إِياداً وَخَلِّل في سَراتِهِمِ أَنّي أَرى الرَأَيَ إِنْ لَم أُعصَ قَد نَصَعا
ثم كثر عنده الإجمال ثم التفصيل مثل إجمال أنه أصابه هم والحزن والجَرَعَا، ثم فصل في كامل القصيدة أسباب هذه الثلاثة، ثم لخص مراده في نهاية القصيدة، وختام القصيدة مماثل لختام الرسالة كأنه توقيع:
لَقَد بَذَلتُ لَكُم نُصْحي بِلا دَخَلٍ فَاستَيقِظوا إِنَّ خَيرَ العِلمِ ما نَفَعا
هَذا كِتابي إِلَيكُم وَالنَّذيرُ لَكُم فَمَن رَأى رَأيَهُ مِنكُم وَمَن سَمِعا
فضلا عن كثير من الأبيات في القصيدة التي كانت تعبيراتها مباشرةً، ولا تفرق صياغتها عن النثر إلا في الوزن والقافية، والأبيات السابقة غير بعيدة عن ذلك.
وما زالت القصيدة –رغم كثرة ما كتب عنها-مفتوحة على قراءات أخرى بما فيها من ثراء.
مضمرات القول في عينية لقيط بن يعمَر الإياديّ



