المنوعات

حامد شاه… بريطاني الأصل، عطبراوي الانتماء

إبراهيم فتح الرحمن سمباي
رجل غريب الوجه واللسان، بريطاني الأصل، اعتنق الإسلام في باكستان، ثم ساقته الأقدار إلى عطبرة، المدينة التي لم يكن يعلم أنها ستصبح وطنه الأخير، وأن ترابها سيحتضن جسده يوم الرحيل.
جاء حامد شاه إلى عطبرة معلماً للغة الإنجليزية بمدرسة الأميرية الثانوية بنات. سكن في البداية زاوية البرهانية، ثم اختار الإقامة في زاوية التجانية، جوار خلوة الشيخ العوض، حيث تعرّف على الشيخ العوض الفكي الأمين، ونشأت بينهما صداقة جمعت بينهما محبة القرآن وأهله.

أحب الإسلام بصدق، وأحب أهل عطبرة بمحبة صافية. كان دائم الابتسام، يضع نظارته بسلسلة تتدلى على صدره، اتسم بالبساطة والتواضع، وكان ودوداً مع الصغير والكبير، لا تحول اختلافات اللغة أو اللون أو الأصل بينه وبين الناس.
في آخر يوم من العام الدراسي بمدرسة الأميرية بنات، وقف الأستاذ حامد يودع طالباته، متمنياً لهن النجاح والسعادة. وحين سألنه عن حياته خارج المدرسة، أجاب بابتسامة هادئة:
أنا في منتهى الرضا، لدي مصحف يهديني، وجلبابان يستراني، ومسبحة وإبريق أتوضأ به، وأقيم في زاوية التجانية جوار خلوة الشيخ العوض.

كانت تلك الكلمات البسيطة تعبيراً عن حياة ملؤها القناعة والرضا، ولم تكن الطالبات يعلمن أن ذلك سيكون لقاؤهن الأخير به.
بعد أسابيع قليلة من نهاية العام الدراسي 1976م، مرض حامد شاه ونُقل إلى مستشفى عطبرة، حيث وافته المنية.

كانت بريطانيا آنذاك تحت رئاسة جيمس كالاهان، زعيم حزب العمال، والملكة إليزابيث الثانية على العرش. وباعتباره مواطناً بريطانياً، شرعت السفارة البريطانية في تجهيز جثمانه داخل صندوق خاص تمهيداً لنقله إلى بريطانيا ودفنه هناك.
لكن أهل عطبرة رفضوا ذلك رفضاً قاطعاً، وتمسكوا ببقاء الجثمان في المسجد الكبير حتى يُدفن في مقابر المدينة التي عاش فيها وأحبها. وأمام إصرارهم، رضخت السفارة البريطانية ووافقت على دفنه في مقابر عطبرة القديمة.
ومن المفارقات أن الاستعمار البريطاني للسودان لم يكن قد أكمل عشرين عاماً عند وفاة حامد شاه، ومع ذلك تجاوز أهل عطبرة كل الاعتبارات السياسية والجنسية، وتمسكوا بحقهم الإنساني في تكريم رجل أحبوه وأحبهم.
منحوه يومها الجنسية العطبراوية، بموقف شعبي صادق، يؤكد أن الانتماء تصنعه المحبة
الخاصة بعيدا عن شهادة الميلاد .

ضج المسجد الكبير بالتهليل والتكبير، وانطلق الشيخ إبراهيم محمد أحمد، الشهير بـ«إبراهيم كراسي»، بسيارته الخاصة ومكبرات الصوت، يجوب أحياء عطبرة وشوارعها داعياً الناس للصلاة على حامد شاه.

استجاب أهل المدينة للنداء، وامتلأت ساحة المولد بجموع المشيعين، وصلى عليه الشيخ العباس مصطفى العقلي، المدير الإقليمي للأوقاف آنذاك.

كنا صبية يومها، نلعب الكرة جنوب المقابر، حين بدأت أصوات التكبير تقترب. تركنا اللعب واتجهت أنظارنا إلى موكب التشييع الذي كان يتقدم في مشهد مهيب.
كان النعش صندوقاً خشبياً بسيطاً يتناقله المشيعون بحنو ووقار. وجُهّز القبر في الركن الجنوبي الشرقي من مقابر الشيخ أحمد، بمحاذاة الركن الشمالي الغربي لمسجد المطبعجي ومنزل العم كامل درويش.
وعندما أُخرج الجثمان من الصندوق ووُوري الثرى، شاهدنا قطع الثلج المتبقية حوله، فقد كان قد جُهّز أصلاً لرحلة إلى بريطانيا، لكن مع إصرار أهل عطبرة كانت رحلته الأخيرة تنتهي في ترابها.
اليوم، في ظل الجهود المباركة التي يبذلها شباب مبادرة نظافة مقابر عطبرة القديمة، لم تقتصر المبادرة على إزالة الأشجار والحشائش وتنظيف القبور، إمتدت إلى إحياء ذاكرة المكان، والتعريف بمن يرقدون فيه، وجمع سيرهم وحكاياتهم لتبقى محفوظة للأجيال.
ومن هنا تأتي أهمية توثيق رواية حامد شاه ، والبحث عن الصور والوثائق وشهادات طالباته وزملائه وكل من عرفه، لتكتمل ملامح هذه السيرة الاستثنائية.
رحم الله حامد شاه، الرجل الذي جاء إلى عطبرة بريطانياً، وعاش فيها مسلماً محباً لأهلها، ورحل منها عطبراوياً
بعض المعلومات منقولة عن كتاب «عطبرة – الإرث الإسلامي» للشيخ عثمان عبد الهادي، مع إضافات من الذاكرة الشخصية.

زر الذهاب إلى الأعلى