
اختار بريمو ليفي (الكاتب الإيطالي الناجي من أوشفيتز) عنواناً لآخر كتبه: (الغارقون والناجون). وفي الكتاب فكرة مؤلمة: أن الشهود الحقيقيين هم الذين لم يعودوا، وأن الناجي ليس إلا ناطقاً بالنيابة عمّن غرقوا. ولا أعرف في أدبنا العراقي المعاصر ناجياً أخذ هذه الوكالة على محمل الجد مثل عبد الحسين شعبان.
في كتابه عن مجزرة بشتاشان عام 1983 قائمة بنحو خمسة وسبعين إلى ثمانين اسماً من الضحايا، وأغرب ما فيها هوامشها. اسم كُتب (عبد الإله) وصاحبه في الحقيقة (عبد الأئمة)، وآخر ناقص تاريخ الميلاد، وثالث بلا محافظة. لا يسد المؤلف الفجوة بالتخمين ولا يحذف أحداً من القائمة، بل يضعها أمام القراء كما وصلته، ويدعو الناجين، وهو واحد منهم، إلى أن يدققوا ويزودوه بما لديهم. كاتب يترك فراغاً في صفحته ليملأه الشهود.
والناجي الذي يدوّن هذه الأسماء هو نفسه من عبر جبل قنديل في اثنتين وثلاثين ساعة متواصلة بين الثلوج، مرضى منهكين، وبقي على الطريق من بقي وأُسر من أُسر. ثم جاءت سنوات، وجلس إلى مائدة سمك في السليمانية مع ناوشيروان مصطفى (السياسي الكردي الراحل، أحد قادة الاتحاد الوطني الكردستاني)، الذي كان على رأس القوة التي نفذت المجزرة، وكان قبل ذلك صديقه وزميله في الجامعة أربع سنوات. وسأله بلا مواربة: لو وجدتني في أعالي الجبال، كيف كنتَ ستميّز بيني وبين الآخرين؟ ثم سأله لماذا قُتل الأسرى ولماذا مُيّز العرب، أليست هذه شوفينية؟ حاول الرجل أن يبرر ويتملص من بعض الأسئلة. وبقي شعبان جالساً.
أرى في القائمة والسؤال عملاً واحداً بوجهين. في الأول يعيد الاسم إلى صاحبه، وفي الثاني يطلب من الفاعل أن يشرح كيف كان ينظر إلى الوجوه. وفي كليهما لا صراخ ولا شماتة. هذا ما يميز الشاهد عن المنتقم: الشاهد يريد أن يعرف، والمنتقم يريد أن يردّ.
وأحسب أن الذاكرة الإنسانية تعرف هذه المعادلة منذ زمن. فمجزرة كاتين عام 1940، التي أُعدم فيها الآلاف من الضباط البولنديين الأسرى على يد الأجهزة السوفييتية، ظلت عقوداً تُنسب إلى النازيين، حتى اعترف الاتحاد السوفييتي بمسؤوليته عام 1990. وفي عام 2007 أخرج السينمائي البولندي أندريه فايدا فيلم (كاتين)، وكان أبوه بين الضحايا، فكأنه ردّ دين الصمت الطويل بالصورة. وفي سربرنيتسا بالبوسنة، بعد مذبحة تموز 1995، ما زالت العائلات تدفن كل عام رفات من أمكن تحديد هويته بتحليل الحمض النووي، ويضاف اسم جديد إلى النصب في بوتوتشاري. هناك رأت المجتمعات أن الحق في الدفن جزء من الحق في الكرامة، وأن الاسم الناقص جرح مفتوح لا يشفيه الزمن.
ولد شعبان في النجف عام 1945، وفُصل من الدراسة عام 1963، وعرف الملاحقة والاعتقال، ودرس القانون في بغداد وحصل على الماجستير والدكتوراه من براغ. واعتُقل عام 1979 وغادر العراق عام 1980، فكانت كردستان وبلاد الشام ولندن، ونجا من محاولة اغتيال عام 1993. وقال لا للحصار حيثما فُرض، على العراق وليبيا والسودان وسوريا وكوبا وإيران، ولا للاحتلال. وتتبدل مواقفه بإقراره، لكن الخيط الذي يجمعها واحد: الوسيلة من شرف الغاية. يقول غاندي (قائد الاستقلال الهندي وفيلسوف اللاعنف) إن الوسيلة كالبذرة والغاية كالشجرة، فلا تنبت شجرة عادلة من بذرة خسيسة. وقبله جعل إيمانويل كانط (الفيلسوف الألماني) الإنسان غاية في ذاته لا أداة في يد أحد.
من هذا الخيط يصل شعبان إلى دعوته الأهم: العدالة الانتقالية. وهو ضد الثأر والكيدية والانتقام، لكنه ليس ضد المحاسبة. وحنة آرنت (الفيلسوفة الألمانية صاحبة الوضع البشري) رأت أن الانتقام ردّ فعل يُبقي صاحبه أسير ما فُعل به، وأن الصفح وحده فعل يبدأ شيئاً جديداً. لكن الصفح عندها لا يعني إسقاط الحقيقة. والعدالة الانتقالية تقف في هذا الفاصل. فالعدالة الانتقامية تسأل: من نعاقب؟ أما الانتقالية فتسأل: ماذا حدث، ومن تضرر، وكيف نمنع تكراره؟ وقد استقرت في أدبيات الأمم المتحدة على أربعة أركان: كشف الحقيقة، والمساءلة، وجبر الضرر والتعويض للضحايا أو لأسرهم، وضمانات عدم التكرار بإصلاح الأنظمة القانونية والقضائية وأجهزة إنفاذ القانون. وغايتها مصالحة حقيقية لا صفقة صمت.
وقد جرّبت شعوب كثيرة هذه الأركان بطرق مختلفة. ففي الأرجنتين، بعد انتهاء الحكم العسكري، ترأس الروائي إرنستو ساباتو (الكاتب الأرجنتيني) لجنة تقصي مصير المختفين قسراً، وصدر تقريرها عام 1984 بعنوان (لن يتكرر أبداً). وفي جنوب إفريقيا منحت لجنة الحقيقة والمصالحة، برئاسة ديزموند توتو (رئيس الأساقفة الراحل)، العفو لمن كشف كامل ما ارتكبه، فكان العفو مقابل الكشف. وفي المغرب أنشئت هيئة الإنصاف والمصالحة عام 2004، وهي من أوائل التجارب العربية، وقضت بتعويض الضحايا. ومن قبل ذلك ميّز كارل ياسبرز (الفيلسوف الألماني) في كتابه (مسألة الذنب الألماني) عام 1946 بين الذنب الجنائي والسياسي والأخلاقي والميتافيزيقي، لأن المجتمع الذي لا يملك هذا المعجم لا يملك إلا الانتقام أو النسيان.
وقيمة ما يفعله شعبان أنه يطبق هذه الأركان في أصغر مقياس: قائمة أسماء يدققها الناجون، وسؤال يُوجَّه إلى فاعل. لكن العمل الفردي، مهما بلغ صدقه، ينقصه ما ينقص كل جهد فردي: مؤسسة تستدعي وتوثق وتعوّض، وإصلاحات تحمي من التكرار. وهذا ما تفعله العدالة الانتقالية حين تتحول من فكرة إلى جهاز: لجنة تملك الأرشيف، وقضاء يملك الاستقلال، وأجهزة أمن تخضع للقانون.
وبشتاشان لا تُفهم وحدها. فقد عاش الكرد في العقود نفسها مآسيهم الكبرى، من حلبجة إلى الأنفال، وشعبان يدافع عن الحركة الكردية بوصفها حركة شعب مهما كانت فيها من نواقص، ويستحضر قصيدة الجواهري (شاعر العراق الأكبر) التي علّق كثير من الكرد نسخاً منها في بيوتهم. لا تناقض عندي بين أن يدافع عن شعب وأن يسأل قائداً من قادته. بل هذا جوهر الموقف: ملف إلى جانب ملف، لا يلغي أحدهما الآخر ولا يبرره. وأي لجنة حقيقة في المنطقة لا تفتح الملفين معاً لا تستحق الاسم.
والوجه الثاني من دعوته هو التسامح واللاعنف. وهي دعوة حضارية مدنية سلمية تقدمية، تعيد السياسة إلى صلتها بالإنسان. وللشرق فيها تراثه: عبد الغفار خان (الزعيم البشتوني المسلم، الملقب غاندي الحدود) قاد حركة «خدام الله» اللاعنفية بين قبائل اشتهرت بالسلاح، وبرهن على أن اللاعنف ليس ثقافة مستوردة ولا ضعفاً. وإذا كان إيمانويل ليفيناس (الفيلسوف الفرنسي من أصل ليتواني) قد جعل الأخلاق تبدأ من وجه الآخر الذي ينظر إليك فلا تستطيع قتله دون أن تنكر ما رأيت، فإن سؤال شعبان في السليمانية، كيف كنت ستميزني؟، سؤال ليفيناسي بامتياز: هل رأيت الوجه قبل أن تضغط على الزناد؟
وأوسع ما في فكره دعوته إلى حوار بين مثقفي الأمم الأربع في المنطقة: الفرس والأتراك والعرب والكرد، وما يسميه (ويستفاليا مشرقية) بعد أن تتحقق (ويستفاليا عربية). ومعنى الفكرة أن معاهدة ويستفاليا عام 1648، التي أنهت حرب الثلاثين عاماً في أوروبا وأرست مبدأ السيادة وعدم التدخل في عقائد الآخرين، لم تُنهِ الخلاف بين الكاثوليك والبروتستانت، بل أنهت استعمال الخلاف سلاحاً عابراً للحدود. ويلفتني أن الفقيه الهولندي هوغو غروتيوس (أبو القانون الدولي) كتب (في قانون الحرب والسلم) عام 1625، في قلب تلك الحرب لا بعدها، فكان المفكر الذي يسبق السياسيين بعقدين. وشعبان، وهو حقوقي بالتكوين، يسير على الدرب نفسه: يطرح الفكرة قبل أن تنضج شروطها.
والصلة بين مشروعيه عندي مباشرة: ويستفاليا هي العدالة الانتقالية على مقياس القارة. لا سلام بين الأمم بغير أن تواجه كل أمة ملفاتها، ولا حوار بين الفرس والأتراك والعرب والكرد دون أن تُفتح الذاكرة المتبادلة على اتساعها. ولكل أمة منها قائمتها الناقصة.
وتبقى أسئلة مشروعة. من الذي يملك تشكيل لجنة الحقيقة في بلد تتنازع فيه المرجعيات؟ فقد قامت تجارب الأرجنتين وجنوب إفريقيا على توافق وطني لم يكتمل عندنا. وهل يحمي خطاب اللاثأر نفسه من أن يُقرأ (عفا الله عما سلف)؟ وشعبان يدرك ذلك، ولذلك يقرنه بالمساءلة وجبر الضرر. وهل تصلح ويستفاليا نموذجاً وقد جاءت بعد إنهاك ثلاثين عاماً من القتال لا بعد إقناع المثقفين؟ الفكرة لا تحتاج إلى أن تكون نسخة طبق الأصل لتنفع، يكفيها أن تكون بوصلة.
شعبان: المفكر الذي يصافح خصومه ويُدوّن أسماءهم
كتب رياض الفرطوسي



