حين قال الزعيم: «مش عادل إمام اللي يدخل القفص!»
«الأفوكاتو».. الفيلم الذي أشعل حربًا بين فنان وقاضٍ دامت ست سنوات"



كتب : المستشار معاوية أبوالريش
في مطلع عام 1984، وعادل إمام في ذروة مجده، عُرض فيلم «الأفوكاتو» من تأليف وإخراج رأفت الميهي. كان الفيلم قد أُنتج في 1983، وعُرض في الثالث والعشرين من يناير 1984، ونجح نجاحًا كبيرًا. غير أن شخصية واحدة فيه قلبت الأوساط القانونية رأسًا على عقب، هي شخصية المحامي «حسن سبانخ» التي جسدها الفنان عادل إمام .
رأى كثير من المحامين في هذه الشخصية إهانة لمهنتهم. فقد قدّمها الفيلم محاميًا محتالًا، تحيط به العلاقات المشبوهة، ويتعامل بخفة مع هيبة المحكمة. فتقدّم نحو 150 محاميًا بدعاوى ضد صناع الفيلم، وإن كانت الروايات الشعبية تضخّم العدد حتى تبلغ به أربعمائة بلاغ.
وصلت القضية إلى قاضٍ شاب في محكمة الجيزة اسمه مرتضى منصور. وتُروى عن جلساتها مشاهد طريفة. من ذلك أن محاميًا وقف أمام القاضي وعرّف نفسه باسم «سيد ملوخية»، وقال إنه غيّر اسمه احتجاجًا على اسم «سبانخ»، وإن القضاء والمحاماة جناحا العدالة، فإذا صارت صورة أحدهما مادة للسخرية اختلّ ميزان الآخر. وأخرج محامٍ آخر من حقيبته ملابس نسائية، في إشارة ساخرة إلى أحد مشاهد الفيلم، متسائلًا: هل يرضى القضاة أن يظهر محامٍ محترم بهذه الصورة في ساحة العدالة؟ وتمضي الحكاية إلى أن القضية استغرقت ست جلسات، والبلد كله ينتظر كلمة الفصل.
وفي يوم النطق بالحكم، دخل عادل إمام القاعة بنظارته السوداء وجلس في الصف الأول. نادى الحاجب «عادل محمد إمام محمد»، فنهض الزعيم قائلًا: أفندم. فأمره القاضي بدخول قفص الاتهام. استنكر عادل: أنا أدخل القفص؟ وأصرّ القاضي، فجاء الرد الذي بقي في الذاكرة الفنية عقودًا: «مش عادل إمام اللي يدخل القفص!».
عندها أصدر مرتضى منصور حكمه بحبس عادل إمام سنة. وبحسب روايات عدة، شمل الحكم أيضًا المخرج رأفت الميهي وموزع الفيلم يوسف شاهين والممثل حمدي يوسف الذي أدى دور القاضي، مع مصادرة الفيلم ووقف عرضه.
وطار الخبر إلى الصحافة وأروقة الدولة. وتختلف الروايات في ما حدث بعد ذلك. فبعضها يقول إن القاضي عاد إلى القاعة بعد دقائق، وأعلن أن القانون في مصر لا يُطبَّق إلا على الضعفاء، وقدّم استقالته من فوق المنصة. وتقول رواية أخرى، ينسبها مرتضى نفسه، إنه استقال بعد أن تدخل المحامي العام لنيابات الجيزة ووقف تنفيذ المنع.
ثم نال عادل إمام والمخرج البراءة، لكن الحرب الحقيقية بدأت بعد ذلك. فقد اتهم عادل إمام القاضي السابق، في حوار صحفي، بأنه طلب منه رشوة عبر وسيط لتبرئته. فرفع مرتضى منصور عليه دعوى سب وقذف، وصدر فيها حكم بحبسه ستة أشهر وتعويض قدره مليون جنيه. وتُروى في الحكاية كفالة قدرها مئة جنيه.
وهكذا امتدت المعركة من 1984 إلى 1990، بين ساحات القضاء وصفحات الصحف. ثم جاءت الوساطات، وبرز فيها الفنان صلاح السعدني، ومعه، بحسب الرواية، محمود السعدني والكابتن محمود الجوهري. وتم الصلح في أواخر أكتوبر 1990، ويُذكر أن تاريخه الثالث والعشرون منه. وكان شرط مرتضى منصور الوحيد أن ينشر عادل إمام اعتذارًا في الصحف، يتضمن، بحسب الرواية، اعتذارًا عن اتهامه بالرشوة وبالجنون. وفي المقابل تنازل مرتضى عن بلاغه.
وبذلك طُويت واحدة من أشهر الخصومات بين فنان وقاضٍ في تاريخ الثمانينيات.



