
نزار عثمان السمندل
يقطع أحمد هارون مسافة طويلة في التاريخ والجغرافيا، من ديغول في فرنسا إلى البرهان في السودان، لكنه يعود بالبلاد إلى المكان القديم نفسه. كما لو أن الحرب التي فتحت في جسد السودان كل هذه الشقوق لم تكن كافية لإقناع أصحاب المشروع القديم بأن شيئاً جوهرياً قد انتهى، وأن بلداً خرج من تحت أنقاض ثلاثين عاماً من حكمهم، ثم دخل حرباً تلتهم ما تبقى من حياته، يحتاج إلى معنى آخر للسلطة والدولة والنجاة.
هارون ظهر أخيراً في برنامج متلفز عنوانه “بودكاست السودان”، مدته أكثر من ثلاث ساعات حضرتُ منها نحو 50 دقيقة. ظهر ليقترح طريقاً إلى المستقبل، مستخدماً مفردات جديدة تحمل ذاكرة قديمة، وتستبطن وصفة تعرف البلاد جيداً عواقبها.
يحمل صاحب هذه الوصفة إرثاً يسبق حديثه. فهارون، رئيس حزب المؤتمر الوطني المنحل، مطلوب للمحكمة الجنائية الدولية بموجب مذكرات توقيف تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور، كما أنه أحد مسؤولي نظام البشير الذين فروا من محبسهم بعد توقيفهم بأوامر قضائية محلية. يأتي اليوم ليحدث السودانيين عن الدولة الحديثة، بينما أشعلوا الحرب وهربوا من السجون عندما لفُتح ملف الماضي الذي يمثله مع نظامه المخلوع.
يمنح هارون عبد الفتاح البرهان حقاً في رئاسة الدولة بعد الحرب، مكافأة له على قيادة القتال ضد الدعم السريع والمحافظة على بقاء الدولة. يستدعي لهذا الغرض تجربة شارل ديغول في فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية، باعتبارها نموذجاً يمكن للسودان استلهام طريقه منه.
بهذا الشكل، تنتقل القيادة العسكرية من ميدان القتال إلى قصر الحكم، وتتحول الحرب إلى رصيد سياسي يصلح للمطالبة بوراثة الدولة.
لكن هارون يعود، في اللقاء ذاته، ليعترض على استلهام التجارب الخارجية عندما يتعلق الأمر برؤى القوى المدنية، مقرراً أن السودان ينبغي أن ينتج تجربته الخاصة، رداً على النماذج التي طرحتها قوى الحرية والتغيير خلال الفترة الانتقالية.
ديغول يصلح دليلاً على أحقية البرهان، أما تجارب الانتقال المدني فتغدو موضع اعتراض. المشكلة، إذن، في الوجهة التي يقود إليها المثال، لا في استدعاء المثال نفسه.
والحقيقة أن تجربة ديغول أعقد من اختزالها في مكافأة جنرال على خوض الحرب. فقد ارتبطت بتحرير فرنسا من الاحتلال النازي خلال حرب عمّت العالم، وإعادة بناء نظامها السياسي والدستوري، ضمن سياق تاريخي ومؤسسي لا يمكن اقتطاع نهايته وإلصاقها بواقع سوداني مختلف كلياً. فالتاريخ أوسع من أن يتحول إلى شهادة تزكية لمن يختار منه ما يلائم حاجته.
ومن أكثر لحظات حديث هارون ارتباكاً أيضاً، استشهاده بالتجربة التركية. يقول إن ابتعاد الجيش التركي عن السياسة منذ عهد أتاتورك أتاح له التفرغ للتأهيل المهني وبناء القدرات، حتى أصبح من الجيوش المتقدمة في ظل الحكم المدني.
هنا يقدم الرجل، من حيث أراد الاستشهاد، حجّة تنقض تصوره للسودان. فإذا كان استقلال الجيش عن السياسة قد خدم مهنيته في تركيا، فلماذا يصبح إبعاده عن السياسة في السودان انتقاصاً من استحقاق البرهان؟
ولماذا يصلح الدرس التركي لبناء الجيش هناك، ثم يتوقف مفعوله عند باب السلطة هنا؟
وفي سعيه إلى إعادة ترتيب التاريخ السوداني وفق تصوراته، يمضي هارون محمّلاً الأحزاب مسؤولية إخفاق الحكم المدني، لأنها عجزت عن حماية تجاربها، زاعماً أن الأزمة تكمن في أداء الأحزاب، لا في أن الجيش حكم البلاد أطول الفترات.
يلتفّ هذا التفسير على حقيقة أن الديمقراطيات السودانية ظلت تتعرض للانقلابات قبل أن تستكمل دوراتها الدستورية. يقلب العسكري المغامر الطاولة، ويستولي على السلطة، ويودع المدنيين السجون، ثم يعود أنصار الحكم العسكري ليقدموا انقطاع التجربة باعتباره دليلاً على فشل أصحابها.
يصبح الانقلاب فعلاً لحظياً في حسابات أصحابه، ويتحول عجز المدنيين عن منعه إلى تهمة تاريخية تلاحقهم.
وعندما يصل هارون إلى الاتفاق الإطاري، يعيد ترديد أكذوبة تحميل قوى الحرية والتغيير مسؤولية الحرب، متوهماً أنها ربطت عدم التوقيع على الاتفاق بقيامها. هذا تحوير بجح لجوهر الاتفاق، الذي استهدف معالجة تعدد الجيوش ومراكز القوة المسلحة، والعمل على دمج الدعم السريع والحركات المسلحة في جيش وطني واحد، مهني وخاضع لسلطة مدنية.
وتكتمل ملامح التصور عند دعوته إلى «مساومة تاريخية» لا تستبعد أي حزب أو كيان، وتفضي إلى حوار سوداني شامل يضع أسس الدولة الحديثة ويحقق التنمية ورفاهية الناس.
تبدو الدعوة متصلة بحاجة وطنية إلى توافق واسع، غير أن إدراج المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية في هذا السياق يفتح السؤال الذي يتفاداه الخطاب. أي مساومة تؤسس لدولة جديدة إذا بدأت بتجاوز مسؤولية القوى التي حكمت الدولة وأسهمت في تقويض مؤسساتها؟
وأي حوار يبني الثقة إذا ساوى بين ضحايا الاستبداد والحرب وبين من شاركوا في صناعة شروطهما؟
فالشمول السياسي لا يمنح أحداً حصانة من المساءلة، والمصالحة لا تختصر الطريق على حقوق الضحايا. الدولة الحديثة التي يتحدث عنها هارون تحتاج إلى مواجهة الماضي، وإلى عدالة تضع المسؤوليات في مواضعها، قبل أن تتحول المساومة إلى تسوية بين أصحاب النفوذ على حساب أصحاب الحقوق.
ويكتسب إلحاحه المتكرر في البودكاست، على تذكير السودانيين بما أصابهم من خراب خلال الحرب دلالة إضافية في سياق دعوته. فالخوف من تكرار الكارثة يصبح خلفية ضاغطة لقبول تسوية تتيح للحركة الإسلامية العودة إلى المشهد، في مطالبة صريحة للسودانيين بالاختيار بين استعادة نفوذ التنظيم القديم واحتمال تجدد المأساة.
المشكلة في خطاب هارون أن كل الطرق التي يقترحها للخروج من الحرب تنتهي إلى إعادة إنتاج البنية السياسية التي قادت البلاد إلى الكارثة. البرهان يستحق الحكم لأنه حارب، والجيش يستحق البقاء في السياسة لأن المدنيين فشلوا، والحركة الإسلامية تستحق مقعداً في المستقبل لأن استبعادها قد يفتح أبواب الخراب مجدداً.
غير أن السودان الذي دفع مواطنوه أثماناً لا تحصى من أرواحهم وأمنهم وبيوتهم وأعمارهم يحتاج إلى عقد سياسي جديد وجذري، يفصل المؤسسة العسكرية عن التنافس على السلطة، ويقيم جيشاً وطنياً واحداً، ويضع الحكم المدني والمواطنة والعدالة في أساس الدولة.
يحتاج إلى مستقبل لا يكون فيه السلاح طريقاً إلى الرئاسة، ولا الحرب وسيلة لاكتساب الشرعية، ولا المساومة إعفاءً سياسياً من الحساب.



