
حسين الذكر

ثمة سؤال قد يتردد لذوي الفكر والاختصاص: لماذا هذا الانهيار الفني العربي عامةً… سينما ومسرح وغناء ودراما… وكذا الصحافة والكتاب وغير ذلك الكثير؟
في الأساس، ينبغي أن نأخذ بنظر الاعتبار التخلف العربي بمختلف المجالات المذكورة أعلاه مقارنةً على الصعيد العالمي، لكنها في وطننا العربي الكبير تعد مادة ثقافية أساسية، بل إنها تمثل مصدر الإلهام البنائي للذائقة العربية خلال عقود خلت… فالجيل القديم ما زال يتذكر: (إذاعة البي بي سي… وصوت دقات ساعة بيغ بن الشهيرة)، ومسرحيات «شاهد ما شافش حاجة» و«مدرسة المشاغبين» و«الزعيم»، وأغاني أم كلثوم وعبد الحليم وفريد… ثم برامج ومسلسلات الدراما… «عازف الليل» و«بنت الحارة»… «وليالي الحلمية»… والحبل على الجرار…
كان المواطن العربي يقضي طوال ليله ونهاره يتابع بشغف كبير، لا يمل ولا يكل ولا ينقطع عما يُبث إليه توجيهياً بمهارة وحرفنة غاية في الدقة والتوجيه بالعلم النفسي والاجتماعي والسياسي والعقائدي… لم يشغله عن ذلك حتى الحروب العالمية والأزمات الحضارية الكبرى… كي تتشكل ذائقته، وتُبنى شخصيته، وتُصقل أفكاره، وتتسم سلوكياته العامة مع ما يُبث له ويُراد منه…
هنا قضية مختلفة في فلسفة الذائقة… من هنا يمكن لنا تحري سؤال: لماذا كان العرب يقضون ساعات وأياماً وليالي، يقدمون كل شيء على قضاياهم وملفاتهم الملحة، من أجل متابعة أغنية: (أروح لمين)، مثلاً، فيما اليوم أصبح التنقل من أغنية إلى أغنية، ومن مادة إلى مادة، ومن محتوى إلى محتوى، لا يستغرق أكثر من دقيقة أو اثنتين بأحسن الأحوال؟ هل تغيرت الذائقة أم البيئة الصانعة لها؟
قبل أيام، جاءني أحد الفنانين الموسيقيين العراقيين طالباً أن أفتح لهم مركز إفرست من أجل التدريب لغرض تأسيس فرقة غنائية جديدة… وفيما كنت أجلس بعيداً أراقب وأستمع ما يعملون ويدندنون ويتدربون… سمعت أغاني من شباب بعمر الورود، وأصواتاً جميلة عذبة، واندفاعاً وحماساً، لكن جميع أغانيهم من التراث ومغناة ومعادة حد الاستهلاك…
تدخلت سائلاً: (لماذا تفتقرون إلى الابتكار والإبداع؟ لماذا تجترون أعمالاً مضى زمنها وولى؟ لماذا تعيدون ذات الأخطاء التي وقع فيها غيركم، حتى من تهيأت لهم ظروف داعمة مالياً وسياسياً، صُرفت عليهم ملايين – بعنوان ملفات ناعمة – لكنهم أخفقوا بتحقيق المطلوب؟ لماذا لا تفكرون بطريقة جديدة وألحان أحدث تنسجم مع الذائقة والبيئة والواقع الاجتماعي؟).
للأسف، عُدَّت كلماتي تدخلاً بما لا أفقه به أو لست من أهل الاختصاص… وإن لم يشيروا بذلك المعنى مباشرةً، لكنني فهمت المقصد جراء صدّ الجميع، ملحن وشاعر ومطرب وموسيقي، كلهم لم ترق لهم النصيحة والتوجيه… مثل أغلب اللاعبين العرب بكرة القدم، وبقيت الألعاب لا يعشقون من التدريب سوى (تمرين الهدفين واللعب مع بعض)، فيما لا يهتمون ولا يستسيغون التدرب على جمل تكتيكية تكمل نواقص فنية ظاهرة لديهم.
هناك سهل ممتنع… وهناك سهل مستساغ… الممتنع مواصفاته الابتكارية والعبقرية والإبداعية ظاهرة للعيان بالنتاج، لا بالقول والتمني والدعاء… فيما الآخر أسهل من شرب الأركيلة أو تدخين السيجارة، أو أشبه برقصة جماعية على طبل وإيقاع السرعة.
كي نعيد الألق للفن العربي عامةً، وللموسيقى خاصةً – إن كنا أصحاب قرار وابتكار – علينا أولاً الاعتراف بأن الماضي ولى، وأن الجيل العصري بُني على أجندات وبرامج وتثقيف بنائي مختلف تماماً عما كانت عليه أجيال ما قبل الألفية الثالثة… وعلى أهل الاختصاص التكيف مع الواقع وقراءة الذائقة كفعل اجتماعي وسلوك قسري وثقافة (أريجية مشاعة متسربة)… عند ذاك يمكن الاهتداء بتغيير الأدوات، كل الأدوات… كلمات وعقلية اللحن وطريقة استخدام وتوظيف الآلات… ثم الظهور بما يتسق مع حركة الموج، لا بالعوم ضد هيجان المحيط… فثمة فارق كبير بين أن تدندن مع نفسك وأصدقائك، أو تختبر أداءك الصوتي بالحمام… وبين أن تجعل من ملف الفن الغنائي والموسيقي أداة لتطوير المجتمع ورهافة الحس وتحسين الذائقة!
والله من وراء القصد، وهو ولي التوفيق!
الغناء العربي
في ظل غياهب التواصل والذكاء!



