الأعمدة

حين يُهدم بيت الهامش ويصمت الجيران: أزمة الضمير السوداني ومفارقة النخب التي تتحدث عن التنوع وتمارس الإقصاء

خالد كودي، بوسطن،
قراءة في سيكولوجية الآخر، والعنصرية البنيوية، والتواطؤ بالصمت، واستحالة بناء وجدان وطني موحد دون شجاعة أخلاقية
أولاً: حين يصبح الصمت أكثر فداحة من الهدم
ليست المأساة السودانية في أن تُهدم منازل الفقراء والنازحين وحدها، بل في أن يحدث ذلك أمام أعين مجتمع يصف نفسه بالكرم والشهامة والتدين والتسامح، دون أن تتحول هذه القيم المعلنة إلى موقف جماعي يحمي المظلومين. فحين تُهدم مساكن مواطنين نزحوا من دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق ومناطق أخرى من السودان، لا يكون السؤال الأخلاقي مقتصراً على شرعية قرارات الإزالة، وإنما يمتد إلى موقف المجتمع المحيط: أين الجيران؟ أين الزعامات الأهلية والدينية؟ أين الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني؟ وأين النخب التي لا تكف عن الحديث عن التعدد الثقافي والعدالة والمواطنة المتساوية؟
إن مشهد أسرة تُطرد من مأواها، وأطفال يقفون أمام أنقاض المنزل الذي كان يحميهم، ونساء ومسنين يجدون أنفسهم في العراء، لا يمثل مجرد أزمة سكن، وو تخطيط، او عشوائية، أو نزاع حول ملكية الأرض. إنه امتحان أخلاقي للمجتمع كله، واختبار لمدى صدق انتمائه إلى فكرة الوطن المشترك.

والأكثر إثارة للاشمئزاز أن هذه الممارسات تقع في مجتمعات تفيض بخطاب التدين والكرم والتسامح، بينما يبتدر، ويشارك و يصمت أفرادها أمام هدم منازل جيرانهم وترك أطفالهم ونسائهم وشيوخهم في العراء، لمجرد اختلاف أصولهم الجغرافية أو الإثنية. وتزداد المفارقة إيلاماً حين تقع مثل هذه الأحداث في قرية طيبة الشيخ عبد الباقي، ذات الإرث الصوفي الذي يُفترض أن تكون الرحمة ونصرة المظلوم من أبرز قيمه!
وهنا تحضر المقولة الشهيرة لأبي ذر الغفاري: “عجبتُ لمن لا يجدُ القوتَ في بيتِه، كيف لا يخرجُ على الناسِ شاهراً سيفَه”. وهي مقولة، تكشف العلاقة الخطيرة بين الظلم والحرمان والتمرد والثورة!
إن هدم منازل المواطنين المنحدرين من المناطق المهمشة ليس مجرد انتهاك لحق السكن، بل إعادة إنتاج للجذور التاريخية للعنف والحروب في السودان. فالدولة التي حرمت هؤلاء المواطنين من الأمن والتنمية والخدمات في مناطقهم الأصلية، ودفعتهم الحروب إلى النزوح، تعود لتلاحقهم بالإقصاء والتشريد في المناطق التي لجأوا إليها. وهكذا يتجدد العنف البنيوي القائم على التمييز واحتكار الموارد والامتيازات، وتتآكل الثقة في الدولة والمجتمع، ويتعمق الشعور بأن المواطنة لا توفر الحماية المتساوية للجميع…
والمفارقة أن بعض النخب التي ترفع شعارات السلمية والمدنية بصلف لا تزال تتساءل: لماذا حمل المهمشون في السودان السلاح؟ بينما تتجاهل السياسات والممارسات التي أسهمت تاريخياً في نشوء المقاومة والثورة المسلحة. فحين يُحرم الإنسان من حقوقه في موطنه، ثم يُهدم مأواه في منفاه الداخلي، ويصمت جيرانه عن مظلمته، فإننا لا نهدم منزلاً فحسب، بل نهدم ثقته في العدالة والانتماء الوطني، ونهيئ الظروف الاجتماعية والسياسية لتجدد العنف.
إن فهم هذه العلاقة مهمة لإدراك حقيقة أساسية في دراسات السلام: لا يمكن معالجة العنف المسلح مع الإبقاء على العنف البنيوي الذي يغذيه. ولا يمكن مطالبة المهمشين بالإيمان بالسلام بينما تستمر الممارسات التي جعلت حياتهم سلسلة من الحروب والنزوح والإذلال والتشريد.

ثانياً: النازحون لم يختاروا الهامش مرتين
من الضروري أن نتذكر أن كثيراً من المواطنين الذين استقروا في الكنابي والأحياء الطرفية والمستوطنات غير المخططة لم يأتوا إليها بحثاً عن امتيازات، بل هرباً من الحرمان والحروب وانعدام الأمن والخدمات الأساسية.
لقد غادر بعضهم قراهم بعد أن أصبحت الحياة فيها مستحيلة بسبب القصف والحروب وسرقة مواردهم وافقارهم، وانهيار الاقتصاد المحلي، بينما دفعت آخرين عقود من التهميش التنموي وغياب المدارس والمستشفيات ومصادر المياه وفرص العمل إلى الهجرة الداخلية. ولم تكن هذه الهجرة اختياراً حراً، وإنما كانت استجابة اضطرارية لسياسات الدولة واختلال توزيع الموارد والفرص.
وهكذا يجد المواطن نفسه ضحية مرتين: مرة حين تعجز الدولة عن ضمان شروط الحياة الكريمة في موطنه الأصلي، ومرة حين تعاقبه على محاولة بناء حياة بديلة في منطقة أكثر أمناً أو أقرب إلى الخدمات.
وتزداد المفارقة قسوة عندما يُطالب هذا المواطن بإثبات شرعية وجوده في وطنه، بينما لا يُسأل أصحاب الامتيازات التاريخية عن الكيفية التي تراكمت بها ملكياتهم وفرصهم ونفوذهم السياسي والاقتصادي.
إن الفقر السكني في السودان لا يمكن فصله عن تاريخ توزيع الأرض والسلطة والتنمية. فالمدن والمناطق الزراعية الأكثر حظاً لم تتشكل خارج علاقات القوة، بل استفادت بدرجات متفاوتة من سياسات الدولة المركزية، والاستثمار العام، والبنية التحتية، وشبكات النفوذ.
ولذلك فإن التعامل مع سكن المهمشين في اطراف المدن واحزمتها “السوداء” بوصفه مخالفة تخطيطية، دون دراسة الأسباب التاريخية التي أنتجته، يمثل اختزالاً لمشكلة سياسية واجتماعية معقدة في إجراء إداري ميكانيكي اخرق.
ويمكن الرجوع هنا الي مفهوم العنف البنيوي الذي طوره عالم دراسات السلام يوهان غالتونغ. فالعنف لا يقتصر على الاعتداء المباشر، بل يشمل أيضاً البنى الاجتماعية والسياسية التي تحرم مجموعات بشرية من فرص الحياة والصحة والأمان والكرامة.
وبهذا المعنى، قد يبدأ العنف قبل وصول الجرافة بسنوات طويلة: حين تُحرم قرية من المدرسة، ويُترك المرضى دون مستشفى، وتُهمل مناطق بأكملها تنموياً، ثم يُدفع سكانها إلى النزوح، ليواجهوا لاحقاً خطر فقدان المأوى الذي شيدوه بمواردهم المحدودة.
إن إزالة المنزل هي الحلقة الأخيرة المرئية من سلسلة طويلة من الإقصاء، كما اسلفنا في مقالات سابقة.

ثالثاً: النخب السودانية والتنوع بوصفه خطاباً بلا التزامات
من أبرز مفارقات الحياة السياسية السودانية أن كثيراً من النخب والأحزاب والمنظمات ترفع شعارات التنوع ومناهضة العنصرية والمواطنة المتساوية، لكنها تتردد في الدفاع عن هذه المبادئ حين تصطدم بالامتيازات التاريخية ومصالح الجماعات المهيمنة. فالتنوع عند بعضها مناسبة للاحتفاء بالأغاني والرقصات والأزياء والثقافات، ثم التمويل لا التزاماً سياسياً وأخلاقياً بإعادة توزيع السلطة والموارد وضمان الحقوق المتساوية.
وكما توضح الفيلسوفة السياسية نانسي فريزر، فإن الاعتراف بالهوية لا يحقق العدالة دون معالجة التفاوت الاقتصادي والاجتماعي. فما قيمة الاحتفاء بثقافات دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق، بينما يُترك المنتمون إليها عرضة للتشريد وهدم المنازل والتمييز؟ إن الاعتراف بالثقافة مع تجاهل حقوق أصحابها ليس احتراماً للتنوع، بل إفراغ له من مضمونه الإنساني والسياسي، ولعار هؤلاء!
إن الاختبار الحقيقي لمناهضة العنصرية والظلم ليس في الخطابات، بل في الاستعداد لمواجهة الظلم حتى عندما يتعارض ذلك مع مصالح الجماعة وامتيازاتها. فأين أصوات النخب وأحزابها ومنظماتها حين تُهدم مساكن المواطنين المنحدرين من الهامش اليوم؟ وأين دفاعها عن حقوقهم في الأرض والسكن والأمان والتعويض العادل؟
ومن هنا تقع على عاتق ثورة الهامش وقواه الثورية مسؤولية تاريخية لا تقبل المساومة: ألا تتنازل، في أي تسوية سياسية أو ترتيبات لتقاسم السلطة، عن استحقاقات المواطنة المتساوية والعدالة التاريخية وتفكيك بنية الامتيازات والتمييز. فالمقصود ليس انتزاع حقوق خاصة لأبناء الهامش، بل تأسيس دولة تضمن ألا يُضطر أي سوداني إلى النزوح طلباً للأمان أو الخدمات، وألا يُهان أو يُشرّد أو يُهدم منزله بسبب إثنيته أو جهته أو وضعه الاجتماعي.
إن نجاح ثورة الهامش لا يُقاس بحصة ممثليها في السلطة، بل بقدرتها على تغيير الشروط التاريخية التي أنتجت التهميش والحروب والنزوح، وضمان ألا تتكرر هذه المظالم بحق أي مواطن سوداني. فاي ثورة تساوم على هذه الحقوق مقابل المناصب تخاطر بإعادة إنتاج النظام الذي قامت لتغييره، وإن تبدلت وجوه الحاكمين.

رابعاً: من “الوجوه الغريبة” إلى صناعة الآخر داخل الوطن
من أخطر مظاهر الأزمة السودانية أن بعض المواطنين أصبحوا يُعاملون بوصفهم غرباء في بلادهم، لا بسبب أفعال ارتكبوها، وإنما بسبب ملامحهم أو لهجاتهم أو أسمائهم أو أصولهم الجغرافية.
وقد ظهر تعبير “قانون الوجوه الغريبة” في تقارير صحفية وحقوقية لوصف ممارسات الاشتباه والتمييز على أساس المظهر والانتماء المفترض، وليس باعتباره قانوناً تشريعياً ثابت الوجود. وتشير شهادات منشورة إلى تعرض أشخاص من دارفور وكردفان للقتل والتعذيب، وللتوقيف والاستجواب بسبب ملامحهم ولهجاتهم، في سياق ربط الهوية الإثنية بالاشتباه الأمني!
Othering وهذه الظاهرة تستدعي مفهوم الآخرنة
في علم الاجتماع ودراسات ما بعد الاستعمار، حيث تُنتج الجماعة المهيمنة صورة عن جماعة أخرى باعتبارها مختلفة أو مشبوهة أو أقل استحقاقاً للانتماء الكامل.
وقد تناول إدوارد سعيد في كتابه الاستشراق (1978) كيف يمكن للسلطة أن تنتج معرفة وصوراً نمطية عن الآخر لتبرير الهيمنة عليه. ورغم اختلاف السياق، فإن الآلية نفسها تساعدنا على فهم الكيفية التي تتحول بها بعض الهويات السودانية إلى علامات للاشتباه والاستبعاد.
فالمواطن المنحدر من دارفور أو جبال النوبة أو النيل الأزرق لا يُنظر إليه دائماً باعتباره فرداً كامل الحقوق، بل قد يُختزل في صورة سياسية أو إثنية جاهزة، ثم يُحمّل مسؤولية صراعات لم يخترها، أو جرائم لم يرتكبها.
هنا لا تعود العنصرية مجرد موقف فردي، وإنما تصبح أداة لإعادة تعريف من يستحق الحماية ومن يمكن التضحية بحقوقه
وقد وصف عالم الاجتماع ستانلي كوهين في كتابه:
States of Denial (2001)
الآليات التي تسمح للأفراد والمجتمعات بمعرفة وقوع الظلم، مع تجنب الاعتراف الكامل بمعناه الأخلاقي ومسؤوليتهم تجاهه
فقد يرى الإنسان جرافة تهدم منزل جاره، لكنه يعيد تفسير المشهد باعتباره “تنفيذاً للقانون”. وقد يشاهد أطفالاً يفقدون مأواهم، لكنه يقنع نفسه بأن أسرهم “ليست من المنطقة”. وهكذا تتحول اللغة الإدارية والاجتماعية إلى وسيلة لإسكات الضمير
إن أخطر ما في صناعة الآخر أنها لا تتطلب بالضرورة كراهية صريحة؛ يكفي أن يتوقف الإنسان عن رؤية جاره باعتباره مساوياً له في الإنسانية والحقوق.

خامساً: كيف يتحول الإنسان “الصالح” إلى شريك في الظلم؟
تقدم الكثير من دراسات علم النفس الاجتماعي تفسيراً مهماً للمفارقة بين صورة الإنسان عن نفسه وسلوكه تجاه الآخرين
فقد أظهرت تجارب ستانلي ميلغرام حول الطاعة للسلطة، المنشورة ابتداءً من عام 1963، أن أشخاصاً عاديين قد يستجيبون لأوامر سلطة يعتبرونها شرعية، حتى عندما تتعارض تلك الأوامر مع أحكامهم الأخلاقية. ولا يمكن تعميم نتائج هذه التجارب مباشرة على المجتمع السوداني برمته، لكنها تكشف خطورة نقل المسؤولية الأخلاقية من الفرد إلى السلطة.
فحين يقول المواطن إن الإزالة “قرار حكومي” أو إن “السلطات تعرف ما تفعل”، فقد يكون قد أعفى نفسه نفسياً من مسؤولية الاعتراض، دون أن يكون القرار عادلاً بالضرورة… وهذا مايجري في السودان وما وقع في قرية طيبة مؤخرا للأسف.
أما نظرية الهوية الاجتماعية التي طورها هنري تاجفيل وجون تيرنر، فتوضح كيف يميل الأفراد إلى تصنيف أنفسهم والآخرين ضمن جماعات، وكيف يمكن أن ينتج عن ذلك تفضيل الجماعة الداخلية وتقليل التعاطف مع الجماعات الخارجية.
وفي السياق السوداني، تتداخل الانتماءات القبلية والجهوية والطبقية مع التصورات الموروثة عن الأرض والأصل الاجتماعي، فتنتج حدوداً غير معلنة للتضامن…
فقد يتحرك المجتمع كله إذا تعرض منزل أحد أعيانه أو أفراد جماعته للإزالة، بينما يتعامل مع هدم عشرات المساكن التي تقطنها أسر من مناطق أخرى باعتباره حدثاً عادياً.
وهنا يبرز سؤال لا ينبغي التهرب منه: هل تتحرك أخلاقنا استجابةً لحجم الظلم، أم استجابةً لهوية المظلوم؟
وقد قدمت حنة آرنت، في دراستها للمسؤولية الفردية داخل الأنظمة القمعية، تحليلاً مهماً للكيفية التي قد يصبح بها الامتثال الروتيني وغياب التفكير النقدي جزءاً من استمرار الشر. ويمكن الاستفادة هنا من سؤال حنه ارندت الفلسفي حول مسؤولية الإنسان حين يختبئ وراء الأوامر والإجراءات.
إن التدين والكرم والشهامة التي “يفلقنا” بها السودانيين ليست ضمانات تلقائية ضد العنصرية. فقد يكون الإنسان سخياً مع ضيوفه، رحيماً بأقاربه، ملتزماً بشعائره الدينية، لكنه يظل عاجزاً عن الاعتراف بحقوق من يعتبرهم خارج دائرته الاجتماعية
وهذا ما يجعل الأخلاق الحقيقية أوسع من حسن السلوك داخل الجماعة. إنها القدرة على تطبيق المبادئ نفسها على من لا يشبهوننا، ولا يشاركوننا مصالحنا، ولا يملكون القدرة على مكافأتنا.

سادساً: حين تحمي المجتمعات الغرباء بينما يتخلى السودانيون عن مواطنيهم
يقدم التاريخ نماذج لمجتمعات حولت التضامن الإنساني إلى حماية فعلية للمضطهدين. ففي أوغندا علي سبيل المثال، رغم محدودية الموارد، استُضيف قرابة مليوني لاجئ وطالب لجوء بحلول مارس 2026، مع إتاحة حقوق العمل والحركة وتخصيص أراضٍ للسكن والزراعة. وفي منطقة كيتغوم، جرى التفاوض مع ملاك الأراضي لتوفير مأوى للاجئين، بما يؤكد إمكانية تحويل الأرض إلى وسيلة للتعايش بدلاً من الإقصاء.
وهنا تبرز مفارقة أخلاقية محرجة: كيف تستقبل مجتمعات أجنبية السودانيين الفارين من الحروب، وتوفر لهم الأرض والحماية، بينما يُهدم منزل المواطن السوداني في وطنه، ويصمت جيرانه عن تشريده؟ إن المقارنة لا تنفي التحديات التي تواجهها المجتمعات المضيفة، لكنها تكشف أن التضامن ليس مسألة موارد فحسب، بل إرادة أخلاقية وسياسية.

سابعاً: حين يتحول التخطيط العمراني إلى أداة للإقصاء
لا خلاف حول ضرورة التخطيط العمراني وتنظيم ملكية الأراضي، لكن القانون لا يمنح السلطات حق التشريد التعسفي أوالتمييز بين
بين المواطنين. وقد وثقت عمليات هدم واسعة في حي الخيرات بشرق النيل
في مايو 2025، فيما تناولت دراسات متعددة حملات واسعه للإزالة في الخرطوم ومناطق الكنابي بالجزيرة، ومؤخرا الهدم في قرية طيبة الشيخ عبد الباقي وغيرها من القري.
إن معيار العدالة ليس وجود قرار إداري، بل مشروعيته، وعدالة تطبيقه، وضمان حقوق المتضررين في الاعتراض والتعويض والسكن البديل قبل الهدم والتشريد. وحين تستهدف الإزالات جماعات مهمشة، أو تجري في مناخ من التحريض الإثني، فإنها تثير أسئلة تتجاوز التخطيط إلى التمييز البنيوي.
وهنا تحضر فكرة “حجاب الجهل” للفيلسوف جون رولز: هل كان المدافعون عن الهدم سيقبلون بالإجراءات نفسها لو كانوا هم النازحين الفقراء المهددة منازلهم؟ فالعدالة التي لا نقبلها لأنفسنا لا يجوز فرضها على الآخرين.

ثامناً: لماذا لم يتشكل وجدان سوداني موحد؟
تتحدث النخب السودانية عن الوحدة الوطنية، لكن وحدة الوجدان لا تتحقق بالأناشيد والشعارات، بل بالمساواة في الحقوق والتضامن عند وقوع الظلم. وكما يرى إرنست رينان، فإن الأمة تقوم على إرادة متجددة للحياة المشتركة، وهي إرادة يستحيل ترسيخها حين يتمتع بعض المواطنين بالحماية، بينما يُترك آخرون للتشريد والإذلال.
إن السودان يعاني أزمة في وحدة الضمير الأخلاقي؛ فما يستنهض الغضب والتضامن حين يصيب جماعة معينة قد يُقابل بالصمت حين يقع على جماعة أخرى. وهذا التفاوت ليس عارضاً، بل يرتبط بتاريخ طويل من الامتيازات والتهميش واختلال توزيع السلطة والثروة.
ويؤكد الفيلسوف أكسل هونيث أن الحرمان من الاعتراف الاجتماعي والقانوني يقوض شعور الإنسان بكرامته وانتمائه. فكيف يُطلب من طفل يشاهد هدم منزل أسرته أن يؤمن بوطن لم تحمه مؤسساته، ولم يتحرك جيرانه لنصرته؟
إن الوجدان الوطني لا يُبنى بمجرد الاعتراف بتعدد السودانيين، بل بالاستعداد للدفاع عن حقوقهم بالتساوي. ولن يصبح السودان وطناً مشتركاً ما دام هدم منزل مواطن يستنهض المجتمع، بينما يُقابل هدم منزل مواطن آخر بالصمت بسبب أصله، إثنيته أو موقعه الاجتماعي

تاسعاً: الشجاعة الأخلاقية للنخب والضمانات الدستورية للسلام
ليست أزمة النخب السودانية في جهلها بمفاهيم المواطنة والعدالة والتنوع، بل في افتقار قطاعات واسعة منها إلى الشجاعة الأخلاقية لتحويل هذه المبادئ من شعارات سياسية إلى حقوق دستورية ملزمة، خاصة عندما يتطلب ذلك التخلي عن الامتيازات التاريخية ومواجهة بنية السلطة التي تنتج التمييز والإقصاء.
وقد ميّز مارتن لوثر كينغ الابن بين السلام القائم على غياب التوتر والسلام القائم على حضور العدالة. وهذا التمييز جوهري في السودان؛ إذ لا يمكن تحقيق سلام مستدام بمجرد وقف إطلاق النار، بينما تستمر المظالم التي أشعلت الحروب، من التمييز والإقصاء واحتكار السلطة والثروة إلى انتهاك حقوق المواطنة والأرض والسكن والأمان.
إن مسؤولية النخب والأحزاب والمنظمات المدنية والدينية لا تقتصر على إدانة هدم المنازل والتشريد، بل تقتضي الالتزام بإعادة تأسيس الدولة على مبادئ دستورية تأسيسية عليا، ملزمة لجميع السلطات، تضمن علمانية الدولة، والمواطنة المتساوية، والحريات الأساسية، والعدالة التاريخية، والتوزيع العادل للسلطة والموارد، واللامركزية، والحق في تقرير المصير، وبناء جيش وأجهزة أمنية قومية جديدة خاضعة للسلطة المدنية. ويجب أن تكفل هذه المبادئ حماية المواطنين من التمييز والتهجير القسري والإخلاء التعسفي، وأن تضمن حقهم في السكن والأرض والإنصاف القضائي والتعويض، دون اعتبار لأصولهم الإثنية أو الجغرافية أو الاجتماعية.
إن الضمانة الحقيقية لوقف الحروب ليست اتفاقات تقاسم السلطة بين النخب، بل تأسيس نظام دستوري يزيل أسباب الحرب، ويمنع عودة المظالم، ويجعل الحقوق الأساسية غير قابلة للمساومة السياسية.
وهنا يكمن الاختبار الحقيقي للشجاعة الأخلاقية: هل تملك النخب السودانية الإرادة لتأسيس دولة تحمي جميع مواطنيها بالتساوي، أم ستواصل المطالبة بالسلام مع الاحتفاظ بالبنية التاريخية التي أنتجت الحروب والتشريد؟

عاشراً: من التعاطف الانتقائي إلى المواطنة الفعلية
لا تكفي إدانة هدم المنازل والتشريد ما لم تُعالج جذورهما السياسية والاجتماعية، وتُؤسس دولة تجعل حقوق السكن والأرض والأمان والكرامة الإنسانية حقوقاً دستورية متساوية، لا امتيازات تحددها الإثنية أو الجهة أو الطبقة الاجتماعية.
ويقتضي ذلك إخضاع سياسات الأراضي والتخطيط العمراني للقانون والعدالة، وضمان حقوق المتضررين في المشاركة والاعتراض والتعويض والسكن البديل، والاعتراف بالنازحين من مناطق الحروب والتهميش مواطنين كاملي الحقوق، لا غرباء أو أعباء على المجتمعات التي استقروا فيها، فهم من بني هذه المجتمعات بجهدهم وعرقهم مقابل الفتات، والان الجحود والطرد!
كما يتطلب الانتقال من التضامن الانتقائي إلى مسؤولية وطنية مشتركة، تتحمل فيها الأحزاب والنخب والمؤسسات المدنية والمجتمعات المحلية واجب حماية المظلوم، بصرف النظر عن أصله أو انتمائه.
فالتنوع السوداني لا يكتسب قيمته بمجرد الاحتفاء بالثقافات، بل بتحويله إلى مساواة دستورية وعدالة اجتماعية وتضامن إنساني فعلي. ومن منظور السلام الإيجابي، فإن ضمان هذه الحقوق وتفكيك البنى التي تنتج التمييز والتشريد ليسا مجرد إصلاح اجتماعي، بل شرط أساسي لمعالجة جذور الحروب ومنع تجددها، وبناء وطن لا يُضطر فيه مواطن إلى النزوح طلباً للأمان، ولا يُهدم فيه منزل بسبب هوية ساكنيه.

خاتمة: الوطن الذي لا يحمي أضعف مواطنيه لم يكتمل بعد
إن هدم منازل المواطنين المنحدرين من المناطق المهمشة ليس مجرد اعتداء على حق السكن، بل اختبار أخلاقي وسياسي لحقيقة المواطنة والانتماء الوطني. وقد وُضعت ادعاءات النخب السياسية والرموز المجتمعية والدينية بشأن التنوع والتسامح والكرم والتدين ونصرة المظلوم أمام امتحان عملي، وكانت النتيجة، مرة أخرى، فشلاً مؤلماً في تحويل القيم المعلنة والمدعاة إلى مواقف تحمي الإنسان وكرامته.
فما قيمة الحديث عن التعايش حين يُترك الأطفال والنساء والمسنون في العراء؟ وما معنى التدين والشهامة إذا عجزا عن حماية الجار من الظلم؟ وكيف نتحدث عن وحدة الوجدان السوداني بينما تستنهض مأساة بعض المواطنين الضمير العام، وتُقابل مأساة آخرين بالصمت، لمجرد اختلاف أصولهم الإثنية أو الجغرافية؟
والأشد إثارة للاستغراب أن بعض النخب، بعد هذا التاريخ الطويل من الحروب والتهميش والإذلال والتشريد، لا تزال تتساءل بسذاجة سياسية وغياب مقلق للحس الأخلاقي: لماذا يثور المهمشون؟ ولماذا يلجأ بعضهم إلى حمل السلاح؟ وكأن الحروب تنشأ من فراغ، لا من تراكم المظالم وانسداد سبل العدالة والمشاركة المتساوية. يجب ادراك إن السلام لا يستدام مع استمرار الشروط التي أنتجت الحروب.
إن السودان لا يحتاج إلى مزيد من المواعظ عن التسامح والتنوع، بل إلى شجاعة أخلاقية وإرادة سياسية تؤسسان دولة على ضمانات دستورية ملزمة للمواطنة المتساوية والعدالة والحرية والكرامة الإنسانية، وتفكيك الامتيازات التاريخية التي جعلت بعض المواطنين أكثر استحقاقاً للحماية من غيرهم.
إن الانتماء إلى وطن واحد لا تصنعه الجغرافيا وحدها، بل تؤسسه المساواة في الحقوق والمسؤولية المشتركة عن حماية كرامة الإنسان. ولن تتشكل وحدة وجدانية حقيقية بين السودانيين ما دامت المظالم تُقاس بهوية ضحاياها، فيُستنفر المجتمع دفاعاً عن بعضهم، بينما يُترك آخرون لمواجهة التشريد والإذلال في صمت، وكأن حقهم في الأمان والكرامة أقل من حق سواهم.

النضال مستمر والنصر اكيد.
(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)

زر الذهاب إلى الأعلى