
أكثر من أربع ساعات من الحديث المتصل، في أول ظهور إعلامي مطوّل لمولانا أحمد هارون بعد سبع سنوات من الغياب، كانت كافية لتشغل الفضاء السوداني أياماً. ومن السهل أن يُختزل ما جرى في «تريند» عابر، غير أن الظواهر التي تستحوذ على الاهتمام بهذه الكثافة، مؤيدين ومعارضين، تقول شيئاً عن المجتمع الذي استقبلها. وهذا الاهتمام في تقديري تعبير عن حجم التفاعل مع خطاب سياسي يخاطب وجدان السودانيين، ويستحضر مفردات الدولة والهوية الوطنية والقيم والتقاليد التي نشأ عليها الناس.
وقد استطاع المؤتمر الوطني بخطابه أن يخاطب مساحة واسعة من هذا الوجدان، بينما تنطلق قوى سياسية أخرى من مدارس واتجاهات أيديولوجية مختلفة، يسارية وماركسية وبعثية وغيرها، ولكل منها مرجعيتها ومفرداتها وجمهورها. والاختلاف هنا لا يمس حق أي حزب في الوجود أو التعبير، وإنما يتصل بطبيعة الخطاب ومدى قدرته على مخاطبة المجتمع وفهم تركيبته الثقافية والاجتماعية. فالسودان بلد تتجاور فيه الطرق الصوفية والإدارة الأهلية والمسجد والأسرة الممتدة، ومن لا يحسن قراءة هذه الخريطة يتحدث إلى الناس بلغة لا تصلهم مهما بلغت دقتها النظرية.
وتفصيل ما قاله هارون في حواره يدعم هذا التقدير عند من يتبنونه. فقد نفى وجود علاقة عضوية بين حزبه والفريق البرهان، وجعل موقف الحزب نابعاً من ظرف وطني تتهدد فيه الدولة نفسها، وقال إن التفاوض خيار لا بد من الوصول إليه، لكن الموقف العسكري هو الذي يحدد قوة الأطراف على طاولته، ودعا إلى إنهاء وجود قوات الدعم السريع. ويستحضر أنصاره قوله السابق لوكالة رويترز إن الحزب اتخذ قراراً استراتيجياً بألا يعود إلى السلطة إلا عبر صناديق الانتخابات، وهي صياغة تضع الحكم النهائي بين يدي الناخب. وأنا هنا أنقل ما قيل ولا أتبنى كل ما ورد في الحوار.
والسياسة في جوهرها ليست مجرد تنظير ومصطلحات وشعارات. إنها فهم للمجتمع وإدراك لهويته وقدرة على التعبير عن تطلعاته. ومن يقرأ تاريخ الأحزاب السودانية يدرك أن كثيراً منها سقط لأنه خاطب نفسه، بينما بقي أثر من خاطب الناس بما يعرفونه ويحبونه.
وهنا يبرز سؤال أثقل من سؤال الخطاب، هو سؤال المحاسبة والمراجعة. ولا يغيب عن أحد أنها حق، غير أن لها زمنها وشروطها. فهي لا تقوم في بلد يخوض حرباً وجودية، وقد اختُطف جزء من دولته على يد جماعة متمردة وتصدعت مؤسساته، إذ لا قضاء مستقلاً يعمل تحت القصف والنزوح، ومن يطالب بفتح ملفات الماضي الآن إنما يشغل الدولة عن معركة بقائها. والأولى أن تأتي المحاسبة والمراجعة بعد وقف الحرب واستعادة الدولة، في عدالة وطنية شاملة تتناول جميع الأطراف وجميع المراحل، بما فيها ما بعد 2019 وما ارتُكب في هذه الحرب، لا انتقائية تستهدف طرفاً بعينه. وفي تقديري أن صيغة المراجعة التي طُرحت بعد 2019 لم تثمر لأنها قُدّمت بضعف في الأداء، فلم تخلّف مؤسسة ولا خلاصة يطمئن إليها الناس.
وفي تجارب الأمم ما يعين على تصور صيغة مقبولة، وأقربها تجربتا جنوب أفريقيا ورواندا، وهما لم تقوما على نسيان الماضي، وإنما على مصالحة وطنية تنقل البلاد إلى مرحلة أخرى. ففي جنوب أفريقيا أُنشئت لجنة الحقيقة والمصالحة بقانون يعزز الوحدة الوطنية، فسمعت شهادات نحو 21 ألف شخص ونظرت في 7,112 طلب عفو، ولم تمنح العفو إلا في 849 حالة ورفضت 5,392، وكان العفو فردياً ومشروطاً بالكشف الكامل عن جرائم ذات دوافع سياسية، ولا يشمل الجميع. وفي رواندا أحيت الدولة محاكم «الغاكاكا» المجتمعية، فنظرت في نحو 1.96 مليون قضية حتى إغلاقها في يونيو 2012 بنسبة إدانة 86%، بهدف تفكيك اختناق قضائي كان يهدد بقاء الدولة والعودة إلى العيش المشترك. فالتجربتان لم تكونا إفلاتاً من العقاب، بل مسارين مختلفين لمعالجة الماضي بحسب ظرف كل بلد: كشف للحقيقة وجبر للضرر ومساءلة بدرجات متفاوتة، ثم عبور إلى المستقبل. وكلتاهما جاءت بعد أن صمتت المدافع واستقر الوضع السياسي، وهذا هو الشرط الذي أقصده بقولي إن للمحاسبة زمنها. وما أدعو إليه في السودان أن تُصاغ عند وقف الحرب مصالحة وطنية شاملة على هذا النحو، تكشف الحقيقة وتنصف الضحايا وتحاسب على الجرائم الكبرى بحسب القانون، وتشمل كل الأطراف وكل المراحل، ليعبر البلد إلى مرحلة أخرى ولا يظل أسير الماضي.
وإلى أن يأتي ذلك الزمن، يترك المواطن لمقارنة أبسط وأقسى: كيف كانت حياتي وكيف أصبحت؟ ولا أزعم أن أواخر عهد الإنقاذ كانت رخاءً، فقد بلغ التضخم السنوي 68.6% في سبتمبر 2018 والدولار عند 47.5 جنيهاً رسمياً و50 في السوق السوداء، وشكا الناس من صعوبة الحصول على مدخراتهم من المصارف وأجهزة الصرف لشح النقود. لكن المواطن يقارن اليوم بين تلك الأرقام وما تلاها. ففي 2020 بلغ التضخم 163.26%، ثم 359.09% في 2021 بعد أن قفز الدولار الرسمي من 55 إلى أكثر من 375 جنيهاً بالتعويم الجزئي في فبراير 2021، وكل ذلك قبل أن تبدأ الحرب في أبريل 2023. ثم جاءت الحرب، فصار الدولار الموازي يدور حول عشرة آلاف جنيه، أي نحو 140 ضعف سعره في السوق الموازية في أبريل 2019 الذي كان 73 جنيهاً، وهذا حساب تقريبي مني. وفي الخدمات تقول منظمة الصحة العالمية إن 37% من المرافق الصحية خارج الخدمة، وإن 21 مليون شخص يعانون نقص الخدمات الصحية و34 مليوناً يحتاجون إلى المساعدة. وتتحدث لجنة المعلمين عن حد أدنى للأجور قدره 12 ألف جنيه، أي ما يقارب دولاراً واحداً في الشهر بسعر السوق.
وأعلم أن نصيباً كبيراً من هذا التدهور يعود إلى الحرب، غير أن المواطن لا يفصل بين العهود بمشرط الاقتصاديين. إنه يقارن ما يملأ سلة غذائه بين زمنين، ومن يطلب منه أن ينسى الإنقاذ عليه أن يقدم له ما يجعله ينسى. وهذه المقارنة الصامتة في البيوت والأسواق هي في ظني أحد أسباب الصدى الذي لقيه الخطاب الذي يعد بالدولة والاستقرار.
ومن أراد منافسة المؤتمر الوطني سياسياً فليقدم خطاباً وبرنامجاً يستطيعان مخاطبة وجدان السودانيين، لا أن يكتفي بمهاجمة خصومه أو المطالبة بإقصائهم. فالإقصاء اعتراف ضمني بالعجز عن الإقناع، ومن يملك حجته لا يخشى أن يزاحمه غيره عليها. والميدان السياسي مفتوح لمن يدخله بأدوات الإقناع، والفيصل في النهاية هو الشعب، فهو الذي أسقط وهو الذي سيختار، ولا وصاية لأحد على اختياره.



