الأعمدة

الأزمة في غياب الدولة لا التشريع

#أحمد_عثمان_جبريل..#يكتب:
واقع السودان اليوم يقول إن هذا البلد المختطف، لا يعاني مطلقا من أزمة تشريع، ولا من فقر في المجالس أو نقص في النصوص، بل يغرق في غياب الدولة ذاتها.. الدولة لا بوصفها لافتة أو هيكلًا، بل كسلطة شرعية، ومعنى جامع، وضمير عام.. فما يجري اليوم من حديث محموم لسلطة كيزانية من وراء ستار عن مجلس تشريعي، ليس سوى محاولة بائسة لتبديل السؤال:” من سؤال الدولة إلى سؤال الشكل، ومن سؤال الحرب إلى سؤال الإجراءات”.. هكذا تُدار الخديعة السياسية الكبرى( تحويل الكارثة إلى تفصيلة إدارية).. يا لهذه المأساة !!
❝ حين تغيب الدولة، تتحول القوانين إلى أوراق بلا روح ❞
— محمد عابد الجابري
(1)
السلطة التي تفشل في إنتاج السلام، لا يحق لها الادعاء بإنتاج تشريع.. ذلك لأن التشريع فعل سيادي لا يُمارس فوق الركام، ولا يُولد في حضن البنادق.. فالمجلس الذي يُخطط له اليوم، لا يأتي ليملأ فراغًا دستوريًا، بل ليغطي فراغًا أخلاقيًا، ويمنح سلطة مأزومة وهم الاستمرار تحت غطاء مؤسسي زائف.
(2)
البرهان لا يبحث عن دولة، بل عن مهلة.. مهلة أمام الخارج المتململ، وأمام الداخل المنهك، وأمام تاريخ يقترب بخطى ثقيلة.. لذلك يُستدعى المجلس التشريعي كحل لغوي، لا سياسي، بل مسكن موقت لفوضى الدولة؛ كجملة إنشائية تُلقى في وجه المأساة، لعلها تُخفف حدّتها أو تُربك مساءلتها.
(3)
الواقع أن الدولة لا تبدأ من البرلمان، بل من احتكار السلاح، ومن حماية المدنيين، ومن كسر منطق المليشيا، أيًا كان اسمها أو غطاءها.. وحين تعجز السلطة عن فرض سيادتها على الأرض، يصبح الحديث عن سلطة تشريعية أقرب إلى العبث:”تشريع بلا سيادة، وقانون بلا قوة تنفيذ، ومؤسسة بلا دولة”.
(4)
الأكثر فجاجة أن يُطرح هذا المشروع فيما الحرب تفتك بالمدن، وتُباد القرى، ويُهجّر الملايين.. أي تشريع هذا الذي يولد بينما المواطن نفسه خارج الحماية؟ وأي تمثيل يمكن ادعاؤه في بلد مُصادر الإرادة، مُغلقة ساحاته، ومكمومة أفواه ناسه؟ وهم في شتات النزوح ومعاناته ومأساته.
(5)
إن اختزال الأزمة في غياب مجلس تشريعي هو محاولة رخيصة لاستغفال للعقول، وإنكار متعمّد لجذر الخراب.. فالخلل ليس في عدد المؤسسات، بل في طبيعة السلطة التي تستخدمها كزينة سياسية.. فكل مجلس لا ينبثق من إرادة حرة، ولا يُحاسب سلطة السلاح، سيكون شريكًا في الزيف، لا رقيبًا عليه.
(6)
التجارب السودانية (الانقاذية) السابقة خير دليل وشاهدة .. فالمجالس التي تُصنع في مطابخ السلطة لا تعمّر، لأنها لا تستند إلى شرعية شعبية، بل إلى توازنات خوف ومصالح.. لذلك أستطيع أن اقول:” ما يُراد له اليوم أن يكون خطوة إلى الأمام، ليس سوى إعادة إنتاج للفشل ذاته، لكن بثمن إنساني أعلى”.
(7)
ما لا يعرفة البرهان وزمرته من الكيزان؛ إن الدولة لا تُستدعى عند الحاجة، ولا تُستخدم كأداة تفاوض.. الدولة التزام دائم، لا تكتيك مؤقت. ومن لا يملك شجاعة مواجهة الحرب، لا يملك حق الحديث عن التشريع.. فالقوانين تُكتب في أزمنة السلم، أما في زمن الانهيار، فأولوية الدولة هي إنقاذ الإنسان أولًا.
ما أود قوله هنا:” أن الأزمة في السودان ليست أزمة تشريع، بل أزمة دولة غائبة، وسلطة حاضرة بالقوة لا بالمعنى.. وكل محاولة لتجميل هذا الغياب بمساحيق المؤسسات لن تُنتج إلا مزيدًا من الخداع والتأجيل.. فالطريق الوحيد إلى الدولة يمر عبر وقف الحرب، واستعادة السياسة من قبضة السلاح، وبناء شرعية من تحت، لا ترقيعها من فوق.. ما عدا ذلك، ليس حلًا، بل هروب مؤقت من مواجهة الحقيقة.. الحقيقة التي يعرفها القاصي والداني.
إنا لله ياخ..الله غالب.

زر الذهاب إلى الأعلى