

في لحظة مؤلمة ومرة، تبخر حلم السودانيين في الداخل والشتات بوصول منتخبهم الوطني المحلي إلى نهائي بطولة أمم إفريقيا للاعبين المحليين (الشان)، عندما سقط “صقور الجديان” أمام منتخب مدغشقر بهدف قاتل في الوقت الإضافي لنصف النهائي. هذه الخسارة القاسية والمؤلمة لم تكن مجرد هزيمة كروية عادية، بل كانت نتيجة حتمية لسلسلة من الأخطاء والإهمال المؤسسي الفاضح من الاتحاد السوداني لكرة القدم، الذي تعامل مع البطولة بعشوائية مفرطة وعدم اكتراث صادم لا يليق بتاريخ الكرة السودانية العريق.
النجاح الباهر رغم التقصير المؤسسي:
المفارقة المؤلمة أن المنتخب السوداني حقق إنجازاً تاريخياً رغم الإهمال والتقصير الذي تعرض له من إدارة الاتحاد السوداني لكرةالقدم . تصدر المجموعة الرابعة التي ضمت عمالقة الكرة الأفريقية كنيجيريا والسنغال والكونغو ، ثم أطاح بالمنتخب الجزائري المرشح بقوة في ربع النهائي، في أداء فاق كل التوقعات وأذهل المتابعين. لكن هذا الإنجاز الباهر جاء بفضل عزيمة وإصرار اللاعبين والمدرب الغاني كواسي أبياه، الذين بذلوا مجهودات جبارة وتضحيات كبيرة لتعويض النقص الفاضح في الإعداد والاستعداد، وليس بفضل الإدارة التي تخلت عن مسؤولياتها الأساسية.
تشريح كارثة الإعداد: أربعة أيام ضد شهور من التحضير:
السؤال الذي يطرح نفسه بقوة ويحتاج إلى إجابة واضحة من قادة الاتحاد السوداني: كيف يمكن لاتحاد كرة قدم محترم أن يجمع لاعبيه قبل أربعة أيام فقط من انطلاق بطولة قارية كبرى؟ كيف يمكن لمنتخب وطني يمثل بلداً بحجم وتاريخ السودان أن يخوض بطولة الشان دون أي مباراة إعدادية واحدة؟ وكيف يمكن تبرير هذا الإهمال الفاضح في ظل توفر الإمكانيات المالية ؟
هذا التعامل المتهور والعشوائي حوّل مهمة المنتخب من كونها سعياً جدياً للبطولة إلى مجرد محاولة يائسة للبقاء والاستمرار، وهو ما ظهر جلياً في تذبذب الأداء والافتقار للانسجام التكتيكي طوال مراحل البطولة، وصولاً إلى المباراة المصيرية أمام مدغشقر.
إن المقارنة مع منتخبات أخرى تكشف حجم الكارثة: بينما تقوم الاتحادات القارية المحترفة بإعداد معسكرات تدريبية لمنتخباتها تمتد لأسابيع أو أشهر، مع برامج إعداد بدني ونفسي وتكتيكي متكاملة، ومباريات ودية متعددة لاختبار التشكيلات والخطط، اكتفى الاتحاد السوداني بأربعة أيام فقط. هذا ليس مجرد تقصير، بل إهانة للاعبين وللشعب السوداني الذي انتظر هذا الحلم طويلاً.
غياب القائد وتأثيره المدمر على التماسك:
لم يكن العقم الهجومي الذي عانى منه المنتخب السوداني أمام مدغشقر مجرد صدفة أو سوء طالع، بل كان نتاجاً مباشراً لغياب عنصرين أساسيين في البناء الهجومي للمنتخب . أولاً، غياب قائد المنتخب محمد عبدالرحمن (الغربال) بسبب الإصابة، والذي يعتبر الرئة التي تتنفس من خلالها هجمات المنتخب السوداني، والعقل المدبر الذي يعرف كيف يترجم أنصاف الفرص الى أهداف في الثلث الأخير. الغربال لم يكن مجرد لاعب في التشكيلة، بل كان القائد الميداني للمنتخب وبفقده فقد المنتخب أهم اسلحته.
ثانياً، خروج محمد أسد تيه الذي كان بمثابة المحطة الأساسية التي يرتكز عليها اللعب الهجومي، حيث كان قادراً على استقبال الكرات وتوزيعها، أو التحرك لخلق المساحات للزملاء. خروجه من المباراة ترك فراغاً هائلاً في المقدمة الهجومية، وهو فراغ لم يستطع البديل مبارك عبد الله ملؤه، نظراً لمحدودية إمكانياته الفنية وضعف مهاراته الفردية.
هذا الثنائي من الغيابات كشف هشاشة العمق في المنتخب، وهي مشكلة كان يمكن تلافيها لو تم إعداد المنتخب بشكل صحيح، وتجريب بدائل متعددة، وبناء أنماط لعب مختلفة تتناسب مع غياب اللاعبين الأساسيين.
العقم الهجومي الذي ظهر على المنتخب السوداني أمام مدغشقر كان له أسباب تكتيكية واضحة تعكس غياب الإعداد المناسب. اللاعبون أصروا على انتهاج أسلوب اللعب المباشر البدائي عبر إرسال الكرات الطويلة والعالية للمقدمة الهجومية، دون محاولة جدية للاعتماد على اللعب الممرحل من الخلف إلى الأمام، أو فتح اللعب عن طريق الأطراف، أو محاولة الاختراق من العمق والتسديد من خارج منطقة الجزاء.
هذا الأسلوب البدائي في اللعب لم يكن مجرد خيار تكتيكي، بل كان انعكاساً مباشراً لغياب التفاهم والانسجام بين اللاعبين، نتيجة قصر فترة الإعداد. الكرات العالية والطويلة أراحت دفاع المنتخب الملغاشي، وجعلت مهمة قراءة اللعب السوداني سهلة ومتوقعة.
الأمر الأكثر إثارة للغضب هو عدم قدرة المنتخب على استغلال الفرصة الذهبية التي منحها له الحظ، عندما تم طرد أحد لاعبي مدغشقر في الدقيقة 75. رغم النقص العددي للخصم، لم يستطع المنتخب السوداني تطوير أسلوب لعبه أو خلق فرص حقيقية. هذا العجز عن استغلال المزايا العددية يكشف عن عمق المشكلة التكتيكية التي عانى منها المنتخب الوطني .
والمثال الأوضح على هذا العقم كان الفرصة الذهبية التي أضاعها والي الدين خضر (بوغبا) في الدقيقة 86، عندما كانت المباراة في أنفاسها الأخيرة. هذه الفرصة كانت كفيلة بتأمين وصول صقور الجديان للمباراة النهائية، لكن ضغط اللحظة وغياب الثقة والتفاهم أديا إلى إهدارها بشكل مؤسف.
600 ألف دولار: مكافأة الإنجاز ومسؤولية المستقبل:
المفارقة الفاضحة والمؤلمة في الوقت ذاته أن هؤلاء اللاعبين الأبطال، رغم الإهمال والتهميش الذي تعرضوا له من إدارة الاتحاد السوداني لكرة القدم ، استطاعوا ضمان حصول الاتحاد السوداني على مكافأة مالية قدرها 600 ألف دولار أمريكي بسبب الوصول إلى الدور نصف النهائي، وهو مبلغ قابل للزيادة في حال احتلال المنتخب للمركز الثالث. هذا المبلغ الضخم، الذي سيحصل عليه الاتحاد لاحقاً، يكشف حجم التناقض والنفاق في سياسة الإتحاد : فهو مبلغ يكفي لإقامة عشرات المعسكرات الإعدادية المتكاملة، ولتنظيم برامج تحضيرية شاملة، ولضمان وصول المنتخب بأفضل حالاته الفنية والبدنية والنفسية للبطولات القارية .
لكن السؤال الحقيقي الذي يطرح نفسه بقوة: أين تذهب هذه الأموال الطائلة؟ وأين يذهب الدعم المالي الذي يحصل عليه الاتحاد السوداني من الفيفا بشكل دوري؟ هل تُستثمر هذه المبالغ في تطوير الكرة السودانية أم تختفي في دهاليز الإدارة والبيروقراطية؟
إن قادة الاتحاد السوداني مطالبون أخلاقياً ومهنياً بصرف هذه المكافآت المالية على الأولويات الحقيقية للكرة السودانية: إعداد المنتخبات الوطنية بشكل احترافي ومتكامل، وإعادة تأهيل وصيانة الملاعب السودانية المتهالكة، وتحسين حال البنية التحتية الرياضية في السودان التي تعاني من إهمال مزمن. هذا ليس مجرد اقتراح، بل واجب أساسي تجاه اللاعبين الذين حققوا هذا الإنجاز والشعب السوداني الذي يستحق أفضل من ذلك.
إن حصول الاتحاد على هذا المبلغ الضخم يحمله مسؤولية أخلاقية ومهنية مضاعفة في إثبات جديته واستحقاقه لهذه الأموال، من خلال استثمارها في تطوير الكرة السودانية وليس في الإنفاق الإداري أو المصالح الشخصية.
المنتخب السوداني: شعاع أمل في زمن الحرب:
في ظل الحرب العبثية المدمرة التي تعصف بالسودان، وتمزق أوصال الوطن وتشرد أبناءه، كان المنتخب الوطني بمثابة شعاع الأمل الوحيد الذي يضيء ظلمة اليأس، ومصدر الفرحة النادرة للشعب السوداني المكلوم في الداخل والشتات. هؤلاء اللاعبون الأبطال استطاعوا، ولو لفترات قصيرة ومتقطعة، أن ينسوا الناس همومهم وأحزانهم، وأن يوحدوهم حول هدف واحد وحلم مشترك يتجاوز كل الانقسامات والخلافات.
كانت انتصارات المنتخب في دور المجموعات وفي ربع النهائي بمثابة جرعات مخدر طبيعي تخفف من ألم الجراح الغائرة، وتعيد الابتسامة إلى وجوه منكسرة، وتزرع الأمل في قلوب يائسة. كان الفوز على الجزائر تحديداً بمثابة انتصار رمزي يتجاوز حدود الملعب، ليصبح رسالة للعالم بأن السودان ما زال موجوداً وقادراً على المنافسة والإبداع رغم كل المحن.
لكن الاتحاد السوداني، بإهماله وعشوائيته، سرق من الشعب السوداني هذه الفرحة العظيمة، وأضاع عليه فرصة تاريخية لتحقيق إنجاز قاري يمكن أن يبقى راسخاً في الذاكرة الجماعية لعقود قادمة، ويصبح مصدر فخر واعتزاز للأجيال المقبلة.
تحميل المسؤولية كاملة للاتحاد السوداني:
لا يمكن بأي حال من الأحوال إلقاء اللوم على اللاعبين أو الجهاز الفني، الذين قدموا أكثر مما هو مطلوب منهم في ظل الظروف الاستثنائية التي واجهوها. المسؤولية الكاملة والمطلقة تقع على عاتق إدارة الاتحاد السوداني لكرة القدم، التي فشلت في أداء واجبها الأساسي وأبسط مسؤولياتها.
هذا الفشل الإداري لم يكن مجرد خطأ عابر أو سوء تقدير، بل كان نمطاً مستمراً من اللامبالاة وعدم الاحترافية. كيف يمكن تبرير عدم إقامة معسكر إعدادي لبطولة قارية؟ كيف يمكن تبرير عدم خوض أي مباراة ودية تحضيرية؟ كيف يمكن تبرير تجميع اللاعبين قبل أربعة أيام فقط من البطولة؟
هذه ليست أخطاء، بل جرائم في حق الكرة السودانية وفي حق الشعب السوداني الذي انتظر هذا الحلم طويلاً. الاتحاد السوداني يتحمل مسؤولية ضياع هذه الفرصة الذهبية، ويتحمل مسؤولية الألم والإحباط الذي أصاب ملايين السودانيين في لحظة كان يمكن أن تكون من أسعد لحظات تاريخهم الرياضي.
دعوة عاجلة للتغيير الجذري والمحاسبة:
لا يمكن القبول بهذا المستوى من العشوائية وعدم الاحترافية في التعامل مع البطولات الأفريقية الكبرى. السودان بلد له تاريخ عريق ومشرف في كرة القدم، وله جماهير تستحق الاحترام والتقدير، ولاعبون يستحقون الدعم والإعداد المناسب.
الوقت حان، بل تأخر كثيراً، لإجراء مراجعة شاملة وجذرية لأداء قادة الاتحاد السوداني، ولاتخاذ قرارات حاسمة بشأن مستقبل إدارة المنتخبات الوطنية. المطلوب ليس مجرد اعتذار أو وعود جديدة، بل تغيير حقيقي في العقلية والمنهج والأسلوب.
المطلوب وضع استراتيجية واضحة ومدروسة للإعداد للبطولات القادمة، بما يشمل معسكرات إعدادية طويلة المدى، وبرامج تطوير اللاعبين، ومباريات ودية متنوعة، وخطط تكتيكية متطورة. المطلوب أيضاً محاسبة المسؤولين عن هذا التقصير الفاضح، وضمان عدم تكراره في المستقبل.
رسالة إلى كل سوداني:
المنتخب السوداني خرج من بطولة الشان، لكن اللاعبين والمدرب خرجوا مرفوعي الرؤوس، بقلوب نظيفة وضمائر مرتاحة، لأنهم قدموا كل ما في وسعهم وأكثر رغم الظروف القاسية والإمكانيات المحدودة. هؤلاء الأبطال استحقوا منا كل التقدير والاحترام، وسيبقون في قلوب السودانيين رمزاً للكفاح والإصرار.
أما الاتحاد السوداني لكرة القدم، فعليه أن يتحمل المسؤولية كاملة عن ضياع هذه الفرصة التاريخية، وأن يقدم حساباً للشعب السوداني عن هذا التقصير الفاضح. عليه أن يثبت بالأفعال وليس بالكلمات أنه قادر على التعلم من أخطائه والتغيير للأفضل.
الشعب السوداني صبور ووفي، لكنه يستحق أكثر من أربعة أيام إعداد لحلم قاري عظيم. يستحق إدارة محترفة تقدر المسؤولية الملقاة على عاتقها، وتعمل بجدية من أجل إسعاده وإنجاح أحلامه الرياضية المشروعة.



