تقارير

تقرير | من تسريب الجاكومي إلى قرارات البرهان… هل يُعاد تشكيل السلطة تحت ضغط الحرب وتصنيف الإسلاميين؟

في مسار متسارع يعكس تحولات عميقة داخل بنية الحكم في السودان، أصدر القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول عبد الفتاح البرهان قرارات أعادت تشكيل قمة المؤسسة العسكرية، شملت إحالة رئيس هيئة الأركان الفريق أول محمد عثمان الحسين إلى التقاعد، وتعيين الفريق أول ياسر العطا رئيسًا لهيئة الأركان، إلى جانب تغييرات واسعة في مواقع القيادة والترقيات.
القرارات، التي دخلت حيز التنفيذ في الثاني من أبريل، تتقاطع بشكل لافت مع تسريبات سابقة، ومع نقاشات داخلية وخارجية حول علاقة الجيش بالتيار الإسلامي، وطبيعة التوازنات داخل السلطة، في لحظة تتزايد فيها الضغوط الدولية.
تسريب الجاكومي… خريطة التغييرات قبل حدوثها
قبل نحو ثلاثة أشهر، نشر الصحفي الاستقصائي مجاهد بشرى تسريبًا لمحادثة بين محمد سيد أحمد الجاكومي ووزير المعادن، تضمّن تفاصيل دقيقة عن تغييرات مرتقبة داخل مجلس السيادة والقيادة العسكرية.
التسريب أشار إلى:
• نقل الفريق أول ياسر العطا من مجلس السيادة إلى رئاسة هيئة الأركان
• إخراج عضو مجلس السيادة إبراهيم جابر
• احتمال إبعاد نائب القائد العام شمس الدين كباشي بنسبة كبيرة
• إقالة رئيس الوزراء كامل إدريس
تطابق جزء من هذه المعطيات مع القرارات الأخيرة يعزز قراءة مفادها أن ما يجري هو تنفيذ تدريجي لترتيبات داخلية، وليس استجابة لحظة طارئة.
العطا… انتقال من مركز القرار السياسي إلى الانضباط العسكري
تعيين ياسر العطا رئيسًا لهيئة الأركان ترافق مع مؤشرات قوية على إعفائه من مجلس السيادة، وهو ما يعني خروجه من دائرة القرار السياسي المباشر.
العطا، الذي شغل موقعًا سياديًا بارزًا، عُرف بحضوره الإعلامي وتصريحاته السياسية المتكررة منذ اندلاع الحرب، والتي تضمنت مواقف مثيرة للجدل على المستوى الداخلي والخارجي.
نقله إلى موقع عسكري تنفيذي مغلق يطرح تفسيرًا متسقًا مع مسار إعادة توزيع الأدوار داخل السلطة:
تحييد سياسي مع إبقاء داخل المؤسسة العسكرية
قراءة دولية… العطا وعلاقة الجيش بالإسلاميين
تناولت تقارير دولية، بينها مواد منشورة في وكالة “رويترز” وصحف إقليمية، ملف العلاقة بين الجيش السوداني والتيار الإسلامي، في سياق الحرب الجارية.
وأشارت هذه التقارير إلى:
• مشاركة عناصر وتشكيلات مرتبطة بالحركة الإسلامية في القتال إلى جانب الجيش وقد تم تصنيفها دولياً
• سعي هذه الشبكات لاستعادة نفوذها عبر البوابة العسكرية
• وجود تقاطعات بين بعض قادة الجيش وهذه المجموعات وعلى رأسها ياسر العطا
كما تناولت منصات إقليمية مثل “العين الإخبارية” هذه العلاقة بوصفها أحد العوامل المؤثرة في تعقيد المشهد السياسي والعسكري.
في هذا السياق، يُنظر إلى ياسر العطا كأحد الأسماء التي ظهرت في النقاشات المتعلقة بهذا الملف، سواء عبر تصريحاته أو موقعه داخل المؤسسة وظهوره المتكرر مع قائد مليشيا البراء والإشادة بهم .
التصنيف الأميركي… ضغط يعيد ترتيب المشهد
إدراج الولايات المتحدة للحركة الإسلامية وكيانات مرتبطة بها، من بينها كتيبة “البراء بن مالك”، ضمن قوائم الإرهاب، وضع القيادة العسكرية أمام معادلة دقيقة:
• استمرار العلاقة مع هذه القوى يحمل كلفة دولية
• القطيعة معها قد تخل بتوازنات داخلية
• المناورة تتيح كسب الوقت وتخفيف الضغط
في هذا الإطار، تبدو قرارات إعادة تشكيل القيادة، وتقليص الظهور السياسي لبعض الشخصيات، جزءًا من محاولة التعامل مع هذا الضغط دون تفكيك كامل للبنية القائمة.
خيارات القيادة… تحليل بابكر فيصل
رئيس المكتب التنفيذي للتجمع الاتحادي، الأستاذ بابكر فيصل، قدّم قراءة تحليلية لمسارات التعامل مع هذا التطور، مشيرًا إلى ثلاثة خيارات أمام قيادة الجيش:
1. الاستمرار في الإنكار، وهو ما يربط المؤسسة العسكرية بمصير الإسلاميين ويعرضها لعزلة دولية
2. المناورة وكسب الوقت، عبر إبداء مرونة شكلية وتقليص الواجهة السياسية دون تغيير جوهري
3. القطيعة الكاملة، وهي خيار معقد في ظل التشابك داخل مؤسسات الدولة
ورجّح فيصل أن تتجه القيادة نحو خيار المناورة، وهو ما يتقاطع مع طبيعة القرارات الأخيرة.
مجلس السيادة… بين إعادة التشكيل واحتمال الحل
التطورات الحالية أعادت إلى الواجهة حديثًا سابقًا لمحمد سيد أحمد الجاكومي، أدلى به في مقابلة مع قناة الجزيرة، أشار فيه إلى نقاشات مع الفريق أول البرهان حول حل مجلس السيادة وتولي رئاسة البلاد.
كما أن تسريبات المكالمة التي نشرها مجاهد بشرى تعزز هذا الاتجاه، عبر الحديث عن إخراج عدد من الأعضاء من المجلس.
في هذا السياق، يُنظر إلى نقل شخصيات من مجلس السيادة إلى مواقع عسكرية، أو إخراجها من المشهد، كجزء من:
إعادة تشكيل مركز القرار السيادي
إعادة توزيع النفوذ… لا إعادة بناء الدولة
التغييرات التي شملت:
• مواقع القيادة العسكرية
• ملفات الاستخبارات والعمليات
• الإمداد والتدريب
• الترقيات والإحالات
تعكس إعادة ترتيب داخلية تهدف إلى ضبط موازين القوة، لكنها لا تشير إلى تحول مؤسسي شامل.
تحليل التسريب، مقرونًا بالقرارات، يكشف أن:
• الصراع داخل السلطة قائم
• مراكز النفوذ تتحرك
• التوازنات لم تُحسم بشكل نهائي
تعيين ياسر العطا رئيسًا لهيئة الأركان
التقاطع مع تسريب سابق حول إبعاده من السيادي
الضغط الناتج عن تصنيف الإسلاميين
النقاشات حول حل مجلس السيادة
تحليل الخيارات المطروحة أمام القيادة
كلها عناصر تشير إلى مسار واحد:
إعادة ترتيب السلطة داخل الإطار القائم، مع محاولة تقليل الكلفة السياسية والدولية، دون الدخول في قطيعة حقيقية مع مراكز النفوذ المؤثرة.
ويبقى السؤال مفتوحًا:
هل تمضي هذه الترتيبات نحو تثبيت وضع جديد، أم أنها مرحلة انتقالية في صراع لم يُحسم بعد داخل بنية الحكم نفسها؟؟

زر الذهاب إلى الأعلى