الأعمدة

بين العدل الإسلامي وظلم الإسلاميين في السودان ..

كمال محمد الامين
حين كان الإسلام يُسوّي بين الجميع أمام القانون
دعني أسألك سؤالاً بسيطاً جداً
هل تتخيّلوا أن يقف خليفة المسلمين أمام قاضٍ، ويقول القاضي للخليفة: “اجلس، فأنت هنا مواطن لا أمير”؟
هذا ليس خيالاً. هذا حدث فعلاً.
حين اختصم علي بن أبي طالب – رابع الخلفاء الراشدين، وابن عم النبي، وزوج فاطمة الزهراء – مع يهودي في درع، جلس علي أمام القاضي شُريح جلسة المتقاضين لا جلسة الأمراء. وانتصر اليهودي في الدعوى. وانصرف علي ولم تتحرك له شرطة، ولم تُستدعَ أجهزة أمن، ولم يُلقَ القبض على اليهودي بتهمة الوقاحة أو إهانة الخليفة.
هذا ما كان.
وحين سرقت امرأة من بني مخزوم – القبيلة الشريفة ذات الجاه والمنعة – تحرّك الناس يستشفعون، ووجدوا أسامة بن زيد، حِبّ رسول الله، يتوسط. فغضب النبي ذلك الغضب الذي يجعل التاريخ يرتجف حتى اليوم، وقال كلمته التي حفظتها البشرية: “إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد. والله لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعتُ يدها.”
يا إلهي.. ما هذا العدل؟ ما هذه الروعة؟ يضرب النبي المثل بابنته هو، بفاطمة هو، حتى لا يظن أحد أن ثمة مساحة بيضاء في القانون مخصصة للأشراف والكبراء.

وحين جاء “الإسلاميون” الذين تم تصنيفهم جماعة إرهابيه بإسلامهم الخاص
الآن انتقل معي.. ليس آلاف السنين، بل بضع مئات الكيلومترات.. إلى السودان عام 2024 وما بعده.
الدكتور أحمد شفا.. طبيب. إنسان يداه تصنعان الحياة لا الموت. يُزجّ به في السجن. فقط لأنه كان يتحدث مع شخص داخل صيدليته .. فقام شخص كل مؤهلاته في هذه الحياة أنه كوز يتبع للكتائب المعروفه بكتائب البراء وهذا المبلغ. هو من ضبط يبيع الأسلحة للدعم السريع.. وعندما استطاع فريق الدفاع أن يكشف عورة هذه الدعوي الفاشله . والقاضي علي وشك أن يصدر قرار ببراءة الدكتور المحترم أحمد الشفا استخدم النائب العام سلطته ( وقف الدعوي الجنائية ) بسحب القضية استناداً إلى المادة 58 من قانون الإجراءات الجنائية. القرار نهائي لا يُطعن فيه. انتهت القضية. أُطلق سراحه.
جميل.. أليس كذلك؟
لكن لا تفرح كثيراً. لأن السؤال الحقيقي ليس: لماذا خرج الدكتور أحمد؟ السؤال الحقيقي هو: لماذا دخل أصلاً؟
ولماذا اعتقل الشاب منيب.. الشاب الذي خرج وحيداً يحتفل بذكرى ثورة ديسمبر.. لا سلاح، لا حشد، لا مؤامرة. فرح فردي بثورة أسقطت ديكتاتوراً. ومازال خلف القضبان.
في الوقت ذاته، خرج البرهان محتفلاً بذات الثورة! بذات الثورة التي يُسجن من أجل الاحتفال بها! فهل معنى هذا أن الاحتفال حلال للجنرالات وحرام على الشباب؟ أم أن القانون في السودان كالهواء، يتنفسه من يملك الرئتين الصحيحتين؟
هم يفعلون ما لم يفعله أشد حكام الجاهلية استبداداً. كيكل الذي تتحدث عنه الشهادات بجرائم لا تُحصى، يُستقبل. وموسى هلال الذي لا تستطيع اللغة العربية أن تُلطّف ما ارتكبته يداه، يُكرَّم. أما الدكتور والثائر الشاب والمرأة التي تصرخ طلباً للحرية، فهؤلاء يُسجنون.
هل هذا إسلام؟ لا والله. هذا مسخ الإسلام. هذا قناع يُلبَس على وجه السلطة حين تحتاج إلى شرعية، ويُرمى في أدراج المصلحة حين يتعارض مع البقاء.
النبي الكريم علّمنا أن الأمم لا تهلك بكثرة أعدائها، بل تهلك حين يصبح القانون خادماً للأقوياء وسوطاً على الضعفاء. والسودان اليوم يعيش هذا الهلاك بالضبط.
ختاما :
هل نحن أمة هالكة؟
الأمة لا تهلك ما دام فيها مَن يطرح هذا السؤال. الهلاك الحقيقي هو حين يتوقف الناس عن الشعور بالظلم، حين يُصبح السجن طبيعياً والإفلات من العقاب مألوفاً والصمت فضيلة.
لكن ما دام ثمة دكتور أحمد يُقاوم، وثمة منيب يحتفل وحيداً، وثمة أقلام تكتب وعقول تسأل، فالأمة لم تهلك بعد.
الأمة مريضة. مريضة مرضاً شديداً. لكنها لم تمت.
والطبيب؟ خرج.
وسيخرج منيب.
وستسقط كل قيود على أقدام الثوار.
لأن هذا هو درس التاريخ الوحيد الذي لا يتغير:
الظلم لا يدوم. والعدل لا يموت.
صدق الله العزيز في كتابه ( لا تركنوا للذين ظلموا حتي لا تمسكم النار … )
تحياتي

زر الذهاب إلى الأعلى