الأعمدة

الأخلاق ليست جسداً: الخديعة الكبرى التي دمرت السودان

—-
أسامة كنينة
——
دعونا نتحدث بوضوح ودون مواربة؛ إن أكبر خطيئة معرفية واجتماعية ارتكبت في حق السودان هي اختزال مفهوم “الأخلاق” في العلاقات الفردية بين الرجل والمرأة، ومظهر الملبس، والجسد. هذا الربط المشوه ليس مجرد جهل، بل هو الخديعة الكبرى وصمام الأمان الذي استخدمه الفاسدون والنافذون لنهب الدولة وتدمير مجتمعها وهم يرتدون مسوح الصالحين.
هذه النتيجة الكارثية لم تأتِ بالصدفة. لقد شاركت منابر المساجد والخطاب الوعظي التقليدي في هندسة هذا الوعي المزيف؛ حيث تفرغت لسنوات الطفرة والانهيار لملاحقة تفاصيل الحياة الشخصية للأفراد، وصناعة معارك وهمية حول “الانحلال والعهر”، بينما غضت الطرف تماماً عن عوامل الهدم الكبرى للمجتمعات. لقد اختار هذا الخطاب “المساحات الآمنة” التي لا تغضب سلطة ولا تهدد مركز نفوذ، فبينما كانت ميزانيات المستشفيات والمدارس تُنهب، وأموال الشعب تُختلس، والحروب تُشعل، كان الصوت الأعلى على المنابر يتحدث عن طول الثياب والاختلاط.
هذا التوجيه المتعمد للرأي العام قاد المجتمع إلى “انفصام أخلاقي” مرعب، وصنع ما يمكن تسميته بـ “الضمير المجزأ”. ووصل الأمر بالبعض إلى قناعة ضمنية بأن السرقة، والتعدي على المال العام، والنصب، والاحتيال، والمحسوبية، والكذب، والنفاق، هي ممارسات “خارج إطار الأخلاق” ويمكن التسامح معها، بل وإعادة تسميتها بمسوغات مقبولة اجتماعياً؛ فأصبحت السرقة “شطارة”، والنصب “فهلوة وتجارة”، والنفاق “ذكاءً اجتماعيًا”.
المفارقة الصادمة والقاتلة هي أن المجتمع يثور، ويهتز، ويمتلئ غضباً لمخالفة سلوكية فردية تظل دائرة أثرها محدودة وخاصة بأصحابها، في حين يمر مرور الكرام—وبدم بارد—أمام موظف يرتشي، أو مسؤول يسرق ميزانية دواء، أو قاضٍ يظلم العباد. إن سرقة المال العام والتعدي عليه هي الجريمة الأخلاقية الأكبر لأنها تعني تجهيل ملايين الأطفال، وموت آلاف المرضى لغسيل الأموال، وتمكين الفاشلين لإدارة مصير أمة. هي كبائر تهدم الأوطان، ومع ذلك حظيت بالتسامح المجتمعي لأن فاعلها يملك “صك الغفران الظاهري” المتمثل في التدين الشكلي والتحفظ السلوكي.
إن الفساد الحقيقي الذي دمر السودان ليس فساد الأجساد، بل هو فساد الذمم، وخراب الأمانة، والاستهانة بالحقوق والدماء. وإذا لم نملك الشجاعة الكافية اليوم لكسر هذا الارتباط المشوه، وفك أسر الأخلاق من زنزانة العلاقات الفردية لنعيد ربطها بالعدالة، والنزاهة، والمؤسسية، وحرمة أموال الناس وعقولهم، فلن نبني وطناً. سنظل ندور في ذات الحلقة المفرغة؛ نمارس الوصاية على صغائر السلوك، بينما يتولى المفسدون قيادة الانهيار الشامل تحت لافتات العفة الزائفة.

زر الذهاب إلى الأعلى