
(موطئ قلم)


محمد عبد الله برقاوي..
في مقال سابق، وعبر هذا العمود، كنا قد تحدثنا عن فشل حكومة الدكتور كامل إدريس، ليس فقط في معالجة القضايا الملحة لمعيشة المواطن وخدماته، ولو في حدها الأدنى، بل في عدم إدراك تلك الحكومة مأساة المواطن، دعك عن تلمس الخطط اللازمة والمدروسة لتقدير حجم تلك القضايا قبل كل شيء.
وقلنا، وقد أشرنا إلى تسريبات تتحدث عن فرضية إعفاء الدكتور إدريس والبحث عن بديل يواكب بخبرته وقبوله الشعبي تطورات أزمات البلاد، إن أعلى هرم السلطة العسكرية يريد أن يتبرأ من مسؤولية الفشل، وأن يعلقه في شماعة الحكومة!
وقلنا إن جهاز الدولة، بكل تسلسله الهرمي العسكري والمدني، مسؤول بكلياته عن الذي يحدث في البلاد من تدهور مريع على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية، وشح في الخدمات، مما يحتم إعادة النظر في بنية السلطة كلها، وخطل سياساتها التي لا تنسجم، لا كماً ولا كيفاً، مع واقع بلاد ترزح تحت لهيب حرب عبثية أكلت يابس الحياة بعد أن قضت على أخضرها، منذ اندلاعها بين طرفين يتحمل كل منهما مسؤولية تدمير هذا الوطن الجريح أمام التاريخ.
وقد لفت النظر تصريح أدلى به الدكتور جبريل إبراهيم، وزير المالية والاقتصاد الوطني، يقول فيه: «متى ما شعرنا أننا قد فشلنا في مهمتنا فإننا سنتنحى».
والدكتور جبريل، دون غيره من الوزراء، وقد مضى على توليه منصبه ما يقارب السبعة أعوام، ظل يرفض دائماً مجرد الحديث عن أي تعديل وزاري يمكن أن يطرق فرضية المساس بمنصبه، الذي يعتبره محصناً باتفاق جوبا المقدس في نظره.
وها هو اليوم يشهد كل عناوين فشل سياساته المالية والاقتصادية، المتمثلة في التدهور المريع للعملة المحلية مقابل الدولار، الذي ابتلع من قيمتها ما يجعلها غير مبرئة للذمة، وانعكس ذلك في ارتفاع أسعار السلع الضرورية التي باتت خارج حدود القدرة الشرائية للمواطن، الذي بلغت روحه الحلقوم، فضلاً عن انعدام السيولة وتعطل تطبيقات التعامل الرقمي بصورة كاملة!
فيا ترى، ما هو حجم الفشل الذي ينتظره السيد وزير المالية ليتكرم بالتنحي بإرادته الحرة، وفي الوقت الذي يختاره هو، وليس أوانه، في خضم استفحال الأزمات التي تخنق البلاد حالياً وأهلها؟ تلك الأزمات التي لا يراها سيادته فشلاً يقتضي استقالته، وليس إقالته العصية أو المستحيلة، كما ظل يردد مراراً!
والله من وراء القصد، وهو المستعان على كل شدة.



