
عزت شريف
رحم الله ضحايا جريمة مستشفى الضعين، وصبّر أهلهم، وربط على قلوب المفجوعين.
ليست فداحة ما جرى في الضعين في عدد الضحايا وحده، ولا في بشاعة استهداف مستشفى مدني وسقوط أطفال وأسر في مكان خالٍ من أي نشاط عسكري فحسب، وإنما أيضًا في ذلك الفتور الذي استُقبلت به الجريمة، كأنّ البلاد قد بلغت من الاعتياد على الدم حدًّا لم تعد معه الفواجع الكبرى توقظ ما ينبغي أن توقظه من غضب أخلاقي وسياسي.
وهنا مكمن الخطر.
لأنّ الجريمة لا تُقاس فقط بالفعل الذي وقع، بل كذلك بالسياق الذي يجعل وقوعها ممكنًا، وبالوعي الذي يسارع إلى تطبيعها أو تخفيف وقعها أو ردّها إلى ضرورات الحرب. وهذا، في تقديري، هو بعض ما تكشفه جريمة مستشفى الضعين.
فنحن هنا لا نتحدث عن اشتباك ملتبس، ولا عن موقع اختلطت فيه الأهداف العسكرية بالمدنية، بل عن مرفق مدني خالص. وحين يكون الاستهداف بطائرة مسيّرة، فإنّ مساحة التثبت تكون أوسع، واحتمال التلافي يكون أكبر، الأمر الذي يجعل ردّ ما جرى إلى مجرد الخطأ العابر أمرًا يفتقر، على الأقل، إلى الإقناع الأخلاقي والسياسي.
وإذا كانت الوقائع تشير إلى أنّ الجريمة ارتكبها الجيش السوداني، لا الدعم السريع، فإنّ ذلك يضعنا أمام الحقيقة الأكثر إيلامًا: الضعين تقع تحت سيطرة الدعم السريع، وينتمي كثير من سكانها إلى قاعدته الاجتماعية، ما يعني أنّ الاستهداف لا يمكن عزله عن نظرة ترى الناس من خلال الجغرافيا المسيطر عليها، أو من خلال الانتماء الاجتماعي المفترض، لا من خلال صفتهم الأولى والأصلية: مواطنين لهم حق الحياة وحق الحماية.
وهذا هو لبّ المسألة.
فالجيش، من حيث المبدأ، ليس جيش من يرضى عنهم، ولا جيش من يوافقونه سياسيًا أو اجتماعيًا، بل جيش الدولة كلها. فإذا صار بعض المواطنين يُرون بعين الشبهة قبل أن يُروا بعين المواطنة، فهذه ليست مجرد زلة في الأداء العسكري، بل أزمة في معنى الدولة نفسه، وخلل في الفكرة الوطنية التي يُفترض أن يحملها الجيش ويعبّر عنها.
من هنا، فإنّ جريمة الضعين لا تقول فقط إنّ دم المدنيين بات رخيصًا في حسابات الحرب، بل تقول شيئًا أخطر: إنّ سكان هذه المنطقة لا يُنظر إليهم، في وعي القيادة العسكرية، بوصفهم مواطنين كاملين في الاستحقاق الأخلاقي والسياسي للحماية. ومن الصعب ألّا يُقرأ ذلك بوصفه استخفافًا صريحًا بالدم، وزهدًا كذلك في وحدة السودان نفسها. إذ لا معنى للوحدة الوطنية إذا كانت بعض الأطراف تُعامل وكأنها خارج الحماية، أو أقل استحقاقًا لها.
غير أنّ هذه الحقيقة لا ينبغي أن تُفهم على نحو يخفف من مسؤولية الدعم السريع أو يفتح له باب التبرئة. فالدعم السريع ارتكب جرائم سابقة وفظائع موثقة، وراكم من الانتهاكات ما يجعله قوة منفلتة والغة في الدم السوداني إلى مرفقيها. لكن هذه الحقيقة، بدل أن تخفف من إدانة الجيش في جريمة الضعين، تعيدنا إلى مستوى أعمق من النقد: ذلك أنّ الدعم السريع نفسه ليس جسمًا هبط على السودان من خارج تاريخه السياسي والعسكري، بل هو أحد المخرجات الكارثية للمؤسسة العسكرية ومنطقها في إدارة العنف، وصناعة التشكيلات الموازية، واستخدام الهامش وقودًا لصراعات المركز.
وبعبارة أكثر مباشرة: الدعم السريع، على كل ما ارتكب من جرائم، هو أيضًا من إنتاج المؤسسة العسكرية القائمة اليوم.
وهنا تتكشف المفارقة المأساوية كاملة.
القوة التي يُراد لها أن تُقدَّم بوصفها نقيض الدعم السريع، أو علاج السودان منه، هي نفسها القوة التي أسهمت في إنتاجه، ورعته في طور من أطواره، ثم لم تستطع، حتى وهي تحاربه، أن تتحرر تمامًا من المنطق الذي أنشأه: منطق الاستهانة بالأطراف، والاستخفاف بالدم، والنظر إلى البشر من خلال خرائط السيطرة والاشتباه والانتماء، لا من خلال مبدأ المواطنة المتساوية.
لهذا فإنّ جريمة مستشفى الضعين ليست حادثة منفصلة، بل عرض من أعراض مرض أعمق. مرض يتعلق بطبيعة المؤسسة العسكرية نفسها، كما يتعلق بالعجز المستمر عن بناء جيش وطني مهني، يرى في المواطن غايته الأولى، لا مادةً قابلة للإهدار حين تقتضي حسابات الحرب.
ومن هنا أيضًا تمتد المسؤولية إلى القوى المدنية.
صحيح أنّ كثيرًا منها أدان الجريمة، وهذه الإدانة واجبة. لكن الإدانة وحدها لا تكفي، ما دامت بعض هذه القوى لا تزال تنظر إلى قيادة القوات المسلحة باعتبارها جزءًا من الحل، أكثر من كونها جزءًا أصيلًا من المشكلة. وهنا تكمن الأزمة الحقيقية: في هذا التردد السياسي والأخلاقي، وفي هذا العجز عن استخلاص النتيجة المنطقية من الوقائع المتراكمة.
فلا معنى لأن ندين الجريمة، ثم نظل متمسكين بالفرضية نفسها التي تساعد على إنتاجها. ولا معنى لأن نستنكر قتل الأطفال في مستشفى، ثم نواصل الرهان على قيادة عسكرية لم يعد سجلها يسمح باعتبارها حاملًا موثوقًا لمشروع السلام أو الوحدة أو إعادة بناء الدولة.
إنّ الرهان على هذه القيادة، بعد كل هذا الخراب، ليس مجرد سوء تقدير سياسي، بل هو أيضًا صورة من صور إغماض الضمير، وعشم في غير موضعه.
ولعلّ جريمة مستشفى الضعين تكون، على قسوتها، لحظة كاشفة. لا لأنها الجريمة الأولى، ولا لأنّ السودان عرف قبلها قليلًا من الدم، بل لأنها تكثف في واقعة واحدة عطبًا كاملًا: جيشًا يفترض أنّه جيش الدولة، لكنه يتصرف بمنطق يضع بعض المواطنين خارج الحماية؛ ودعمًا سريعًا منفلتًا، راكم من الجرائم ما يجعله وجهًا آخر لانهيار الوطنية؛ وقوى مدنية لم تحسم، بعد، موقفها من الجذر الذي أنتج هذا كله.
لهذا فإنّ المطلوب ليس مجرد الإدانة، بل مراجعة الفرضيات نفسها: من هو جزء من الحل، ومن هو جزء من المشكلة؟ وما الذي يعنيه فعلًا الحفاظ على وحدة السودان؟ وهل يمكن أن تُحفظ هذه الوحدة بالرهان على مؤسسة لم تثبت، حتى الآن، أنها ترى في دم جميع السودانيين قيمة متساوية؟
هذه هي الأسئلة التي تفرضها الضعين.
أما الإجابة الجادة عنها، فلا تبدأ من بيانات الشجب وحدها، بل من الاعتراف بأنّ السودان لن يخرج من هذا الخراب ما لم يتجاوز منطق المؤسسة التي أنتجت الكارثة، ويفتح طريقًا جديدًا لإعادة بناء الجيش والدولة معًا على قاعدة المواطنة، لا على قاعدة الجغرافيا المشبوهة والانتماء الاجتماعي المعاقَب عليه.
رحم الله الضحايا، وشفى الجرحى، وصبّر أهل الضعين.
ولا حول ولا قوة إلا بالله.



