


وفي شهادة أخرى، تحدث الترابي عن أن الأشهر الأولى بعد الانقلاب كانت مرتبة وفق سيناريوهات، وأن الإسلاميين آثروا عدم الظهور في المناصب علناً، وأن إدارة المشهد تمت من وراء الستار، قبل أن يتشكل لاحقاً مجلس قيادي سري ضم قيادات من الحركة الإسلامية وعسكريين.
وهنا تصبح المسألة أكبر من مجرد سؤال:
هل كان الترابي يعرف البشير؟
السؤال الأعمق هو:
هل كان الترابي يعرف كل الذين كانوا يعرفون البشير؟
وهل كانت هناك دوائر تنظيمية متعددة داخل الحركة الإسلامية، لكل دائرة مستوى مختلف من المعلومات؟
وهل كان التنظيم يعمل بمنطق «كلما اتسعت دائرة السر ضاع السر»، ولذلك كانت المعلومات تُجزأ، ويُعطى كل شخص الجزء الذي يحتاج إليه فقط؟
إذا صح ذلك، فإن قول الترابي إنه لم يكن يعرف عمر البشير إلا قبل يومين من الانقلاب لا يعني بالضرورة أن الحركة الإسلامية لم تكن تعرف البشير أو لم تكن تعرف الضباط المرتبطين بها؛ بل قد يعني ببساطة أن المعرفة داخل التنظيم السري لم تكن موزعة بالتساوي.
وهذه نقطة شديدة الأهمية في فهم التجربة الإسلامية السودانية.
فالتنظيمات السرية لا تعمل دائماً بالطريقة التي تعمل بها الأحزاب السياسية العلنية. الحزب العلني قد تكون قيادته مطلعة على قراراته الكبرى، بينما التنظيم السري يقوم في كثير من الأحيان على توزيع المعرفة، وفصل الدوائر، وتقليل عدد الأشخاص الذين يعرفون التفاصيل الكاملة للعملية.
ومن هنا فإن رواية اجتماع مارس 1986م، إذا أمكن توثيقها بشهادات أخرى أو وثائق مستقلة، ستكون جديرة بالبحث الجاد؛ ليس لأنها تثبت وحدها أن انقلاب 1989م كان مخططاً له منذ ذلك التاريخ، وإنما لأنها تفتح نافذة على سؤال أكبر:
متى بدأ التفكير الجدي في الخيار العسكري داخل الحركة الإسلامية السودانية؟
ومن كان يعرف بهذا التفكير؟
ومن كان يملك المعلومات؟
ومن كان ينفذ؟
ومن كان يتلقى المعلومة دون أن يعرف مصدرها؟
ومن كان يعرف اسم الضابط؟
ومن كان يعرف المهمة؟
ومن كان يعرف الخطة كاملة؟
هذه الأسئلة تصبح أكثر إلحاحاً عندما نضعها بجوار شهادة الترابي نفسه عن ترتيبات انقلاب 1989م، والتي تؤكد وجود قدر كبير من السرية والتعمية في الإعداد والتنفيذ.
ولذلك فإن المسألة ليست اتهاماً لأحد، ولا محاولة لإعادة كتابة التاريخ بالروايات الشفوية وحدها.
إنها محاولة لطرح سؤال تاريخي وسياسي مشروع:
هل كانت الحركة الإسلامية السودانية تعمل وقتها بعقل تنظيمي متعدد الطبقات، بحيث يمكن أن تعرف «الكوادر السرية» شيئاً لا تعرفه بعض القيادات السياسية، أو تعرفه قيادات محدودة فقط؟
إذا كانت الإجابة نعم، فإن علينا أن نعيد قراءة كثير من الوقائع التي سبقت 30 يونيو 1989م، لا باعتبارها أحداثاً منفصلة، وإنما باعتبارها حلقات محتملة في مسار طويل من العمل السياسي والتنظيمي والعسكري.
أما إذا كانت الإجابة لا، فإن علينا أن نسأل أيضاً:
كيف استطاعت معلومة بهذا التفصيل أن تظهر في اجتماع عام 1986م، قبل انقلاب 1989م بثلاث سنوات، ثم يأتي التاريخ لاحقاً بانقلاب عسكري يقوده ضابط برتبة عميد؟
هنا تحديداً لا تكفي الإجابات السريعة.
هنا يبدأ التحقيق الحقيقي في التاريخ. ثم ماذا بعد ؟



