عثمان فضل الله
في أحد الأحياء المنسية من أم درمان، وثّق مقطع فيديو متداول _ مرفق_ مشهدًا أقرب ما يكون إلى الكوميديا السوداء، ولكنه من فرط الألم، لم يترك موضعًا للضحك. صفوف طويلة من فقراء الحي يصطفون في انتظار وجبة طعام، أيدٍ فارغة وأوانٍ خاوية ووجوه أكلها التعب، يقفون في صمت ثقيل وسط ساحة تعج بالموسيقى والرقص، كأنهم جزء من مشهد احتفالي لا ينتمي إلى واقعهم البائس. وسطهم، رجل متخم، يلوّح بعصاه ويرقص بجسده المترهل في مشهد استفزازي، بينما تبادله بعض الأيادي المرهقة الرقص، ربما خجلًا، أو خنوعًا، أو طمعًا في لقمة تنقذ طفلا جائع.
هذا المشهد، المؤلم في كل تفاصيله، لا يمكن التعامل معه بوصفه مجرد خطأ في التقدير أو خلل في التعبير، بل هو جريمة مكتملة الأركان في حق الكرامة الإنسانية، واستغلال فجّ لمعاناة الناس الذين سحقهم الجوع والحرب والنسيان.
في المقابل، وبلا ضوضاء أو رقص، ظهرت خلال الشهور الأولى من الحرب تجربة ناصعة كتبها شباب لجان المقاومة في الأحياء والفرقان، حين أسسوا ما عُرف بغرف الطوارئ. فعلوا ذلك بموارد شحيحة وإمكانات شخصية وبروح تضامن لا تنتمي لأي جهة سوى ضمير هذا الشعب. عملوا بصمت، دون صور تذكارية، ودون كاميرات تلاحق وجوه الغلابة، ودون استعراض أو مزايدة.
هؤلاء الشباب اقتسموا اللقمة مع من يحتاجها، جابوا الشوارع تحت الرصاص،والاعتقال والملاحقة الامنية، وفروا الدواء والماء والطعام، لا طلبًا للثناء، بل وفاءً لوعد الثورة، ووفاءً لأهلهم في زمن الخذلان العام. لم يتوسلوا عونًا من دولة، ولم ينتظروا تمويلاً من منظمة. وكان الجزاء أن وقف العالم احترامًا لهم، فكرمهم الاتحاد الأوروبي، وأشاد بهم وزير خارجية بوتسوانا، الذي قال لي ذات لقاء: “أنتم السودانيون تعطوننا دروسًا في العزة حتى عندما تنكسر أجنحتكم.”
لكنّ الفساد في السودان رديف الكيزان لا يموت، بل يتكاثر. وما إن بدأت المساعدات الدولية تتحرك، حتى استيقظت قرون استشعار “تجار الكارثة”. ظهر بعضهم في ثوب العمل الطوعي، فأنشأوا ما سموه تكايا، لا لحفظ الكرامة، بل لجني المكاسب، وتحويل الفقر إلى منصة دعائية، والكاميرا إلى أداة إذلال جديدة. لم يكن هدفهم أن يأكل الجائع، بل أن يُرى وهو يأكل، أن يُوثق وهو يصطف، أن يصبح مادة خامًا لعلاقات عامة ملوثة بالمال الحرام.
هكذا تحوّل الجوع من كارثة يجب التعامل معها بوقار، إلى مشهد استعراضي على إيقاع موسيقى لا تليق سوى بمواكب النصر الزائف. هكذا تحوّلت أمعاء الخاوية إلى زينة تُعرض على الشاشات، ترضي غرور القائمين على التكايا، وتغذي نرجسية قادة الفشل الأخلاقي الذين لا يرون الناس إلا إذا اصطفوا في طوابير الحاجة.
إن تصوير الناس في لحظة جوعهم، ونشر معاناتهم دون إذنهم، وتجريدهم من كرامتهم بحجة المساعدة، ليس تضامنًا، بل انتهاك فج. وإن الرقص أمام طوابير الجوعى ليس بهجة، بل نذالة. وإن الاحتفاء بالفتات في وطنٍ يموت فيه الأطفال من سوء التغذية هو جريمة لا تختلف عن إطلاق الرصاص.
إن ما نحتاجه اليوم ليس وجبات مجانية مصورة، بل إحساسًا بالمسؤولية. ليس مهرجانات للطبل، بل نظامًا يحترم الإنسان. ليس صراخًا فارغًا، بل أفعالاً تعيد الكرامة لمن سحقهم الجوع وأهانهم التصوير.
ولأولئك الذين يصرّون على تحويل المأساة إلى ملهاة، نقول:
كفوا عن إذلال الناس باسم الإحسان.
كفوا عن الرقص في مقابر الجوعي.
كفوا عن استعراض الفقر كأنه إنجاز.
ولاحول ولاقوة الا بالله
وحسبنا الله ونعم الوكيل
#اللهم_لا_ترفع_للكيزان_راية_ولا_تحقق_لهم_غاية_واجعلهم_للعالمين_عبرة_وآية



