الأعمدة

مسرحية “تحويل الخونة إلى أبطال” عرض دائم

بقلم: الدكتور كمال محمد الأمين
في زمن العجائب ، حيث الذاكرة أقصر من عمر البعوضة، والضمائر أرخص من سعر الدولار في السوق الأسود، نشهد عرضاً مسرحياً لا ينتهي بعنوان: “كيف تصنع بطلاً من جلاد؟”
الفصل الأول: البطل الذي كان شيطاناً
كان بالأمس القريب يقود عمليات “التطهير العرقي” في الجزيرة، يمارس فنون القتل والنهب مع رفاق السلاح من الدعم السريع، ويساهم في تفريغ المدن من أهلها كما تُفرّغ قارورة الماء. البيوت صارت أشباحاً، والأرواح صارت مجرد أرقام في إحصائيات الموت.
الفصل الثاني: المعجزة الإعلامية
وفجأة، وكأنه سحر من ألف ليلة وليلة، تحوّل الجلاد إلى “عميل مزدوج”! صار “عيناً” للجيش داخل معسكر الأعداء، جاسوساً شجاعاً يجمع المعلومات الاستخباراتية! والله العظيم، لو كان أستاذي الراحل غازي سليمان حياً لقال: “هذه خدعة لم أرها حتى في أفلام هوليوود!”
مكينة الكيزان الإعلامية – تلك الآلة العجيبة التي تحوّل الفحم إلى ألماس والطين إلى ذهب – أخرجت لنا البطل الجديد. صار خالد بن الوليد العصر، بل أكثر من ذلك، صار من الصالحين والأتقياء عندما انضم لمعسكر الفلول!
الفصل الثالث: البروفة الجديدة
واليوم، تتناقل الأخبار همساً أن إبراهيم بقال، ذلك الذي كان والياً للخرطوم من قِبل الدعم السريع، ومسؤولاً عن التوجيه المعنوي لقوات الدعم السريع ، يُجهّز له المسرح الآن. الأضواء تُضبط، والسيناريو يُكتب، والدور يُحفظ.
لأن هؤلاء السادة يدركون حقيقة مُرّة: السودانيين لديهم ذاكرة سمكة! ثلاث ثوانٍ وتختفي الذكريات، أسبوع واحد وتُمحى الجرائم، شهر وتتحوّل الدماء إلى مياه ورود!
الفصل الرابع: نبوءة المستقبل القريب
بعد غدٍ – وأقول بعد غد وليس بعد سنة – ستسمعون أن عبد المنعم الربيع صار “ملهماً روحياً”، وأنه كان “مناصراً خفياً” لقضية الدين والوطن! ستُنسج له قصص البطولة والفداء، وسيُصوّر كمن كان يعمل في الخفاء لخدمة السودان العظيم.
وفي النهاية، في آخر مشهد من هذه المسرحية السوداء، قد نفاجأ بحضور حميدتي شخصيا ومعه عبد الرحيم دقلو وعثمان عمليات كأبطال للسلام والوحدة الوطنية! وسيبقى أحمد كسلا – المسكين – الخائن الوحيد في القصة، ليس لأنه أكثر خيانة، بل لأن دوره في المسرحية لم يأتِ بعد.
يا أهل السودان، في زمن تُباع فيه الضمائر بالتقسيط، وتُؤجّر الأخلاق بالساعة، لا تستغربوا شيئاً. فقط احتفظوا بذاكرتكم، واحموا عقولكم من غسيل الدماغ الإعلامي.
وتذكروا: الجلاد لا يصير قديساً بتغيير الزي، والذئب لا يصير راعياً بحمل العصا.

زر الذهاب إلى الأعلى