“ريجكامف يتفوّق على معين الشعباني تكتيكياً ويُلجم البرتقاليين.. وضربة جزاء في الدقيقة ٩٣ تحرم الهلال من الفوز”



كتب: معاوية أبو الريش
في ليلة بركان الموشومة بالبرتقال، حيث تصاعد زئير الجماهير كموج بحر هائج يريد ابتلاع الضيف القادم من أم درمان، وقف الهلال السوداني في مواجهة العاصفة بصدر عارٍ وعقل بارد، فأعاد رسم حدود المعركة بيده، وحوّل ملعب الخصم إلى فخٍّ نصبه الروماني ريجكامف بنفسه لأصحاب الأرض. لم يكن ما جرى مجرد مباراة كرة قدم، بل كان مسرحاً لصراع العقول قبل صراع الأقدام، انتهى بتعادل ظالم في الدقيقة الثالثة والتسعين، حين سرقت ضربة جزاء قاتلة من الهلال فوزاً كان يستحقه بكل حرف في قاموس الكرة.
“عندما يتحوّل التحليل إلى سلاح فتّاك”
قبل أن تُطأطئ الكرة برأسها وتنطلق على أرضية بركان، كان ريجكامف قد خاض المعركة وحسمها في غرفته المظلمة أمام شاشات التحليل. رجل يقرأ الكرة كما يقرأ الشاعر قصيدته، كلمةً كلمة، ونبضاً نبضاً. تتبّع نهضة بركان في مبارياته ضد الرجاء والوداد البيضاويين والدفاع الحسني الجديدي، وفكّك شفرات لعبه حتى آخر رمز فيها، فاكتشف أن سرّ هذا الفريق البرتقالي يكمن في جناحيه المتوحّشين، وفي قدرته على فتح الملعب على اتساعه وإغراق الخصم في عريضات متلاحقة تُنهك دفاعاته وتُربك حساباته.
فأطبق ريجكامف على تلك الشريان بيديه؛ كلتيهما. أسند إلى جناحَي الهلال أداما كوليبالي وجان كلود مهاماً دفاعية صارمة، تقوم على الارتداد المنظّم ومساندة الظهيرين في سدّ كل منفذ جانبي، فتحوّل الجناحان من بحث عن الهدف إلى حارسَي باب لا يُقتحم. وكأن ريجكامف قال لخصمه بصمت: لقد قرأتك، وقصصت جناحيك، فكيف ستطير؟ وبالفعل، ظلّ الفريق البركاني يرفرف في الفراغ طوال تسعين دقيقة، عاجزاً عن إيجاد ثغرة في الجدار الهلالي المصفّح، حتى أن مدرّبه معين الشعباني بدا في مقعده كمن يحلّ لغزاً لا يملك مفتاحه.
“كوليبالي يُشعل الكبريت وروفا يُحرق الشباك”
في الدقيقة الثامنة عشرة، اندلع الحريق. انتزع أداما كوليبالي الكرة من قلب الفوضى وانطلق كسهم أُطلق من قوس مشدود، متحدياً مدافع النهضة الذي حاول إيقافه فلم يجد في يده غير الهواء. ثم في لحظة إلهامية نادرة، لم يبخل كوليبالي بما صنعه، ووضع الكرة على طبق من ذهب خالص أمام زميله عبد الرؤوف عمر “روفا”، الذي أودعها الشباك المغربية بضربة أسكتت الجمهور البرتقالي الهادر وحوّلت زئيره إلى صمت مذهول.
وكان بوسع الهلال أن يُطفئ شمعة المباراة نهائياً ويسدل عليها الستار قبل أوانه، لكن الفرص الذهبية أبت إلا أن تُفلت من بين الأصابع. فقد وجد الموريتاني فوفانا نفسه وجهاً لوجه أمام حارس النهضة المخضرم أنس الزنيتي الذي أهدى له فرصة من ذهب، فتباطأ وسدّد كرة فاقدة الروح لم تعبر خط المرمى. وفي مشهد آخر أوجع القلوب، آثر البوروندي جان كلود أن يحتضن الكرة ويسدّد منفرداً، حين كان زميله المنفتح في وضعية أسهل وأجدى ينتظر تمريرة لم تأتِ، فضاعت الفرصة الذهبية في مهبّ ريح الأنانية.
“الدقيقة ٩٣.. حين تنقلب الطاولة بضربة واحدة”
قالها الحكماء دوماً: من يُضيع يُعاقَب، ومن يُبدّد الذهب يستقبل الرصاص. وفي الدقيقة الثالثة والتسعين، حين كان الهلال يلملم أوراق انتصاره الوشيك، انسلّت كرات متبادلة بين لاعبي النهضة البركانية على الجانب الأيمن للدفاع الهلالي كالثعبان يتسلّل في العشب، وللمرة الأولى في المباراة كلها يُصاب ذلك الجانب المنيع بلحظة إغفاء مكلفة. ارتكب المدافع الأيمن للهلال استيفن إيبويلا مخالفة أعلن بموجبها الحكم الجنوب أفريقي عن ضربة جزاء، مُستعيناً بتقنية مراجعة الفيديو التي جاءت كالسكين في قلب الفرحة الهلالية. وتقدّم المهاجم منير شويعر بخطى واثقة وحوّل الكرة إلى شباك الهلال، فأسقط فوزاً كان معلّقاً كالثمرة الناضجة على بُعد خطوات من الأيدي.
“ثلاثة فرسان حملوا راية الهلال”
في غمرة الملحمة، تألّقت ثلاثة أسماء بريق النجوم في السماء الصافية. كان أداما كوليبالي ظاهرة بحدّ ذاتها؛ مهاجماً حين تستدعي الهجوم، ومدافعاً حين تصرخ الدفاعات باستغاثة، كأنه رجلان في جسد واحد لا يعرف التعب. وفي قلب الدفاع نسج كرشوم حائطاً من الفولاذ والذكاء معاً، يقرأ الكرة قبل أن تصل ويُبطل الخطر قبل أن يُولد، في عرض أذهل المتابعين وأربك مهاجمي النهضة. أما حارس المرمى البوركيني فريد ويدراوغو فقد تحوّل إلى أخطبوط يملأ المرمى بأطرافه؛ متطايراً يميناً وشمالاً، مُطفئاً جمرات الخطر الواحدة تلو الأخرى في عروض استحقّت وقفة إجلال وإكبار.
“جرح في الروح يستوجب الجراحة قبل كيغالي”
بيد أن في صدر الليلة الهلالية الجميلة شوكة لا تُحتمل؛ تلك الأنانية الفردية في اللحظات الحاسمة أمام مرمى الخصم، حين يُغلق اللاعب عينيه عن زميله المنفتح في وضعية أجدى ويختار إطلاق قذيفته الفردية التي كثيراً ما تضلّ طريقها. هذه الظاهرة المقلقة ليست مجرد هفوة عابرة، بل هي ورم يجب استئصاله قبل أن يستفحل في جسد الفريق الهلالي . على ريجكامف أن يجلس مع لاعبيه أمام شاشات التحليل ويُعيد تشغيل تلك اللحظات المُهدَرة، ويخاطب فيهم عقولهم وضمائرهم معاً: إن مباريات الأدوار الإقصائية لا تغفر ولا تنسى، وإن الفرصة الذهبية السهلة التي تضيع اليوم قد تُكلّف الحلم الأفريقي كله غداً.
“كيغالي تنتظر.. والهلال يأبى إلا الحلم الكبير”
التعادل بهدف لمثله ليس رثاءً لفرصة ضائعة، بل هو إعلان حرب مفتوح على مصراعيه. فمباراة الإياب المقرّرة في الثاني والعشرين من مارس على ملعب أماهورو بالعاصمة الرواندية كيغالي، الذي بات الوطن الكروي الافتراضي للهلال في زمن الجراح السودانية، ستكون موعداً مع التاريخ. فريق أثبت على امتداد مشواره القاري أنه لا يذوب في الملاعب البعيدة ولا تُهزّه الضوضاء، يعرف كيف يتنفّس حين تضيق الأنفاس، وكيف يُحوّل الضغط وقوداً لا عبئاً.
وعلى إدارة الهلال أن تُحرّك ماكينتها منذ هذه اللحظة، فتستنفر الجاليات السودانية في رواندا وتستقطب القلوب الرواندية الصديقة، حتى يجد الهلال في كيغالي جمهوراً يحمله على أكتاف الحماسة نحو نصف النهائي، ويُحوّل ملعب أماهورو إلى حصن لا يُستهان به.
الحسم في كيغالي.. وللهلال في السماء الأفريقية نجمة لم تكتمل بعد.



