الأعمدة

أين هي الأسلحة الكيميائية؟ مسرحية إعلامية لا تصمد أمام الأدلة”

كتب: المستشار معاوية أبوالريش
بينما تشتد الضغوط الأمريكية على الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان على خلفية اتهامات استخدام الجيش السوداني أسلحة كيميائية محظورة دولياً، اختار رئيس مجلس السيادة الانتقالي الرد بطريقته المعتادة: لا بالأدلة، بل بالصورة. استدعى إلى الخرطوم لفيفاً من الإعلاميين السودانيين في لقاء حمل طابع الحملة الدعائية أكثر مما حمل طابع الشفافية، وخرج بعض الحاضرين في فيديوهات يسخرون فيها من الاتهامات، واقفين في شوارع الخرطوم يتساءلون باستنكار: “أين هي الأسلحة الكيميائية؟” . المشهد أعاد إلى الأذهان سؤالاً مشابهاً كان البرهان نفسه يردده عن “الفلول” – أين هم الفلول ؟ – رغم أن الفلول، بحسب منتقديه، هم من يحيطون به اليوم ويشاركون في صناعة قراره.
لكن الاستنكار الإعلامي شيء، والوقائع المتراكمة على مدى عامين شيء آخر تماماً.
“ما الذي تقوله الأدلة فعلاً؟”
منذ مطلع 2025 لم تعد القضية مجرد اتهام أمريكي عابر، بل ملف تراكمت عليه طبقات متتالية من التوثيق:
نقلت نيويورك تايمز في يناير 2025 عن أربعة مسؤولين أمريكيين كبار أن الجيش السوداني استخدم أسلحة كيميائية في مناسبتين على الأقل، وأن العامل المستخدم كان غاز الكلور، وأن استخدامه جرى بإذن شخصي من البرهان. وبعد ثلاثة أشهر، في 24 أبريل 2025، حوّلت واشنطن هذا الاتهام إلى قرار رسمي: قررت، بموجب قانون مكافحة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية، أن حكومة السودان استخدمت أسلحة كيميائية خلال 2024 وأنها غير ملتزمة باتفاقية حظرها – قرار تبعته عقوبات في يونيو 2025، ثم إجراءات أشد في يوليو 2026 بعد أن رفضت الخرطوم تغيير موقفها.
الأدلة لم تبقَ حكراً على واشنطن. في أكتوبر 2025 قدّم تحقيق لفرانس24 أول عناصر ميدانية علنية تدعم الاتهام، مرجّحاً استخدام غاز الكلور في حادثتين بسبتمبر 2024. ثم جاء الأخطر: مسؤولون سابقون في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية (OPCW) قابلوا ثمانية شهود في مخيمات اللاجئين بنيروبي، ووثّقوا حالات مرضية غير مفسَّرة أعقبت نشاطاً عسكرياً، في شهادات تؤكد ما ورد سابقاً بالفيديو والصور. وكشف تحقيق موازٍ أن الجيش لم يكتفِ باستخدام السلاح، بل أقام مخزوناً سرياً منه حاول لاحقاً إخفاءه. وعلى الأرض، أفاد سكان بحري بأن الكلور استُخدم في منطقة كانت قد أُخليت من المدنيين، مستهدفاً عناصر من الجيش والدعم السريع فيها.
“أداة ضغط سياسي”؟ التسلسل الزمني يقول عكس ذلك
يذهب بعض المحللين، ومنهم الدكتور عبدالوهاب الطيب البشير، إلى أن واشنطن تُحيي ملف الكيماوي بشكل متعمد كأداة ضغط على البرهان لدفعه نحو التفاوض ضمن مسار “الرباعية” (أمريكا والسعودية ومصر والإمارات). هذه القراءة تستحق الإنصات إليها، لكنها تصطدم بمشكلة توقيت جوهرية: تحقيق نيويورك تايمز الذي كشف الحادثتين صدر في يناير 2025، وتحقيق فرانس24 الميداني في أكتوبر من العام نفسه، وشهادات مسؤولي OPCW السابقين جاءت لاحقاً وهي مبنية على مقابلات مباشرة مع ناجين لا على تسريبات دبلوماسية. بعبارة أخرى، الأدلة تراكمت وتكاثرت من مصادر متعددة ومستقلة عن بعضها قبل أن تتحول إلى ورقة ضغط سياسي واضحة المعالم – وهو ما يجعل تفسير “التوظيف السياسي” غير كافٍ لتفسير حجم الملف وتنوع مصادره.
في المقابل، لم يتزحزح الموقف الرسمي السوداني خطوة واحدة: مندوب السودان لدى الأمم المتحدة يكرر أن واشنطن لم تقدّم دليلاً “بعد عام كامل من التحقيقات”، والخرطوم تطالب مجلس الأمن بالتعامل مع الملف “بموضوعية” بعيداً عن “ادعاءات تفتقر إلى الدليل” – وهو الخطاب ذاته الذي رُدّد أمام الإعلاميين في اللقاء الأخير.
فحين يقف إعلاميون – غالبيتهم، بحسب مراقبين، من المحسوبين على نظام المؤتمر الوطني البائد – يسألون ساخرين عن مكان الأسلحة الكيميائية، فهم إما يتجاهلون هذا الكمّ من التوثيق الدولي المتراكم، أو يوظّفون أنفسهم عمداً في حملة علاقات عامة لا صلة لها بالتقصي الصحفي المستقل.
“من يطلب الدليل يرفض آلية إثباته”
المفارقة الأكثر إحراجاً للخطاب الرسمي السوداني تقنية بحتة: واشنطن طالبت بتفتيش دولي مستقل وغير مقيّد على المنشآت السودانية، إضافة إلى إعلان شامل عن أي أسلحة أو مرافق ذات صلة. لكن الخرطوم ردّت بتشكيل “لجنة فنية وطنية” للتحقيق داخلياً – وهي آلية رفضتها واشنطن صراحة، مؤكدة أن التحقيق الداخلي لا يمكن أن يحل محل التحقق الدولي المستقل. فالحكومة التي تكرر أمام الإعلاميين والمجتمع الدولي “أثبتوا لنا”، هي نفسها التي ترفض آلية الإثبات المستقلة المعروضة عليها فعلياً. وهذا التناقض – المطالبة بالدليل مع رفض أداة الحصول عليه – يقول عن الملف أكثر مما تقوله عشرات التصريحات الرسمية المنكِرة.
“نمط متكرر: المؤامرة بدل المساءلة”
في اللقاء نفسه مع الإعلاميين، لم يكتفِ البرهان بإنكار الكيماوي، بل كشف أيضاً عمّا وصفه بمحاولات قادتها مريم الصادق وخالد عمر وبابكر فيصل لفرض “اتفاق بديل” غير الاتفاق الإطاري، بهدف – بحسب روايته – السيطرة على السلطة التنفيذية لعشر سنوات. هذا الكشف يكشف نمطاً متكرراً في خطاب البرهان أكثر مما يكشف حقيقة تلك “المحاولة”: كل تعثر سياسي أو دبلوماسي يُعاد تأطيره كمؤامرة من طرف آخر – المدنيون تارة، والمجتمع الدولي تارة أخرى – بدل أن يكون محلاً لمساءلة قراراته هو. الاتفاق الإطاري نفسه الذي يستشهد به كدليل على “حسن نيته” مقابل مؤامرة الآخرين، هو الاتفاق الذي وقّعه هو شخصياً ثم لم يُستكمل تنفيذه أصلاً، لتنزلق البلاد إلى حرب مفتوحة بعد أشهر قليلة. فحين يعجز اتفاق وقّعه بنفسه عن الصمود، يصعب تصديق أن العائق كان دائماً في الطرف الآخر.
“وعود سبق أن تبخّرت”
وسط هذا كله، أعلن البرهان التزامه بتنفيذ “مخرجات الحوار الوطني التي تصب في صالح الشعب السوداني” صياغة مطاطة تتيح له لاحقاً وصف أي مخرج لا يناسبه بأنه لا يخدم “مصلحة الشعب”. والمشكلة أن هذا ليس وعداً أول من نوعه:
فالاتفاق الإطاري الذي وقّعه مع قوى الحرية والتغيير في ديسمبر 2022، بعد مفاوضات ماراثونية قُدّم على أنه المخرج من أزمة انقلاب 25 أكتوبر 2021، تبخّر قبل أن يكتمل توقيع اتفاقه النهائي، كما أُشير أعلاه، لتنزلق البلاد بدلاً منه إلى حرب مفتوحة في أبريل 2023. وقبله، لم تصمد الوثيقة الدستورية والشراكة المدنية-العسكرية التي أعقبت اتفاق نوفمبر 2021 مع حمدوك أكثر من أشهر معدودة. وفي اللقاء الأخير نفسه، وصف البرهان انقلاب 25 أكتوبر بأنه “تصحيح لمسار الثورة” لا انقلاباً – وهو ما يكشف كيف يعيد تعريف الوقائع كلما اقتضت الحاجة السياسية ذلك، بما في ذلك وعوده هو نفسه.
فحين يتحدث اليوم عن التزامه بـ”مخرجات الحوار”، بعد سنوات من نقض اتفاقات موقّعة ومعلنة، وبعد نمط ثابت من تحميل الآخرين مسؤولية كل تعثر، يصعب أن يُقرأ وعده بمعزل عن هذا السجل. والأقرب أن التصريح – كإنكاره استخدام السلاح الكيميائي ورفضه آلية التفتيش الدولي – جزء من محاولة لتلميع صورة القيادة العسكرية داخلياً وخارجياً في لحظة ضغط دبلوماسي متصاعد، لا التزاماً سياسياً قابلاً للمحاسبة.

زر الذهاب إلى الأعلى