الباشا طبيق : لقاء الكباشي ومسعد بولس.. هل بدأت ساعة التغيير داخل معسكر السلطة في بورتسودان؟
ليس من قبيل المصادفة أن ينعقد اللقاء الذي جمع كبير مستشاري الرئيس الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط وأفريقيا، مسعد بولس، بالفريق أول شمس الدين الكباشي في القاهرة، بعيدًا عن الأضواء وبعيدًا عن الواجهة السياسية والعسكرية التقليدية التي ظلت تتصدر المشهد السوداني خلال سنوات الحرب. فمثل هذه اللقاءات لا تُعقد لمجرد تبادل وجهات النظر، وإنما تعكس في الغالب تحولات أعمق تجري خلف الكواليس، وترتبط بإعادة تقييم اللاعبين والأدوار وموازين القوة.
لقد وصلت الحرب السودانية إلى مرحلة جعلت كثيرًا من العواصم الإقليمية والدولية تعيد النظر في رهاناتها السابقة. فبعد سنوات من القتال والدمار والانهيار الاقتصادي والإنساني، بات واضحًا أن الأزمة لم تعد أزمة معارك ميدانية فحسب، وإنما أزمة قيادة ورؤية ومستقبل دولة. كما أن الرهان على الحسم العسكري أثبت محدوديته، في وقت تتزايد فيه الضغوط الدولية لإنهاء الحرب وفتح الطريق أمام تسوية سياسية شاملة.
ومن هنا تبرز أهمية لقاء القاهرة. فاختيار الكباشي لهذا المستوى من التواصل السياسي يطرح تساؤلات مشروعة حول ما إذا كانت بعض القوى الإقليمية والدولية بدأت البحث عن مداخل جديدة للتعامل مع المؤسسة العسكرية السودانية، بعيدًا عن الشخصيات التي ارتبط اسمها باستمرار الصراع وتعقيداته.
كما أن اللقاء يأتي في ظل تزايد الانتقادات الموجهة إلى أداء القيادة الحالية، وتصاعد الجدل بشأن حجم التأثير الذي تمارسه التيارات الأيديولوجية على القرار العسكري والسياسي. وقد أدى ذلك إلى تنامي قناعة لدى بعض الأطراف الإقليمية والدولية بأن أي تسوية مستدامة تتطلب معالجة جذور الأزمة، وليس الاكتفاء بإدارة نتائجها.
وتشير العديد من المؤشرات إلى أن القاهرة والرياض تتحركان وفق رؤية مختلفة عما كان سائدًا في السنوات الماضية، تقوم على البحث عن ترتيبات أكثر واقعية تضمن استقرار السودان وتحافظ على مؤسسات الدولة، وفي الوقت نفسه تفتح الباب أمام عملية سياسية أوسع لا تهيمن عليها القوى التي ارتبط اسمها بالصراع والاستقطاب.
وإذا كانت هذه القراءة صحيحة، فإن اللقاء قد يمثل بداية مرحلة جديدة عنوانها إعادة فرز الأوراق داخل معسكر السلطة نفسه. فالتوازنات التي تشكلت مع اندلاع الحرب لم تعد بالضرورة قادرة على الصمود أمام المتغيرات العسكرية والسياسية والإقليمية المتسارعة، كما أن الأطراف الداعمة للمؤسسات السودانية تبدو أكثر اهتمامًا اليوم بفاعلية الشركاء وقدرتهم على المساهمة في إنهاء الأزمة، لا بمجرد الحفاظ على الترتيبات القائمة.
إن الرسالة الأهم التي يمكن استخلاصها من لقاء القاهرة هي أن المشهد السوداني لم يعد يُدار فقط من خلال حسابات الميدان العسكري، بل أصبح جزءًا من ترتيبات إقليمية ودولية أوسع تتعلق بأمن البحر الأحمر واستقرار القرن الأفريقي ومستقبل الدولة السودانية. وفي مثل هذه اللحظات التاريخية، كثيرًا ما تبدأ التحولات الكبرى من اجتماعات تبدو صغيرة في ظاهرها، لكنها تحمل في مضمونها إشارات إلى تغيرات أعمق في موازين القوى.
لذلك، فإن ما جرى في القاهرة قد لا يكون مجرد لقاء سياسي عابر، بل قد يكون مؤشرًا على بداية مرحلة جديدة من إعادة تشكيل المشهد السوداني، حيث تتعرض التحالفات القديمة للاهتزاز، وتُطرح أسئلة جوهرية حول مستقبل القيادة ومراكز النفوذ واتجاهات التسوية القادمة. وعندها لن يكون السؤال من حضر الاجتماع، بل ما الذي يجري ترتيبه للسودان في المرحلة المقبلة، ومن سيكون جزءًا من تلك الترتيبات ومن سيجد نفسه خارجها.



