يشهد العالم اليوم تغيرات سياسية متسارعة، وانتهت إلى حدّ كبير الحقبة التي كان يتم فيها حكم العالم – وأفريقيا خصوصًا – عبر صناعة الصراعات المسلحة.
في السودان، يظل ملف التمويل السياسي أو الاقتصاد السياسي من القضايا المسكوت عنها. فبعد سقوط أم درمان عام 1898م، لم تمضِ سوى عشر سنوات حتى انتقل السيد عبد الرحمن المهدي من حالة العداء مع المحتل البريطاني، الذي أنهى حكم المهدية، إلى مدافع عن ثقافة المستعمر، مدفوعًا باعتبارات الاقتصاد السياسي.
كانت دائرة أعمال عبد الرحمن المهدي مثالًا للنظام الإقطاعي بصيغة بريطانية؛ إذ أصبحت أكبر مشغّل في السودان، حيث بلغ عدد العاملين لديها نحو 14 ألف موظف، بينما كان مجموع موظفي الخدمة المدنية والعسكرية في الدولة السودانية لا يتجاوز 12 ألفًا. حصلت الدائرة على عقود استراتيجية مثل توريد فلنكات السكك الحديدية، و ردميات السكة الحديد وأعمال الردميات لخزان سنار، وتوريد الفحم الحجري، إضافة إلى مشاريع زراعية كبرى على النيل الأزرق، النيل الأبيض، الخرطوم، والجزيرة.
وفي المقابل، كان السيد علي الميرغني يستثمر في القطاع الزراعي وقطاع العقارات، ما أوجد زواجًا غير معلن بين السياسة والرأسمالية في السودان. وتحت مظلات متعددة، أصبحت حتى الأحزاب العقائدية الحديثة – من شيوعيين، وإخوان مسلمين، وحزب الأمة، والاتحاديين، والبعثيين – جزءًا من شبكة اقتصادية تضم بنوكًا، وشركات تأمين، ورجال أعمال، في ما يمكن وصفه بـ”مجموعة الخرطوم 1 و2″.
بعد المصالحة الوطنية السياسية عام 1977م بين جعفر نميري والمعارضة – ممثلة في السيد الصادق المهدي والإخوان المسلمين – برز لاعب سياسي جديد بنظام إقطاعي عزز التبعية على حساب البرامج الوطنية، وفتح الباب أمام مشاريع سياسية أممية بتمويل إقليمي وعابر للحدود، مثل الإخوان المسلمين، الشيوعيين، البعثيين، القوميين العرب، والناصريين. لكن هذا النظام الإقطاعي المستحدث أفرز تشوهًا في الممارسة السياسية الحديثة نتيجة انعدام الخبرة في التعامل مع المال العام والتمويل السياسي.
اليوم، تطرح بعض الدوائر نظرية “تسويق الليمون بعد العصر”؛ أي محاولة بيع مشروع سياسي فقد قيمته، وهو أمر مستحيل. فقد انتهت حقبة الحكم عبر تضخيم الذات، وبدأت مرحلة تسقط فيها أقنعة القوى السياسية، حيث تخشى جميعها يوم بكرة بعد إنتهاء الحرب في السودان ___انتهاء الحرب نهاية مشروعها السياسي وبداية مشروع جديد.
لقد انتهى زمن “اللا حرب واللا سلام” عالميًا، وحرب السودان ليست بمنأى عن الأحداث الإقليمية والدولية. الرهان الآن لا يمكن أن يكون على بيع مشروع مستهلك، سواء أتى من رجال أعمال، أو سياسيين بخلفيات نضالية افتراضية، أو أحزاب عقائدية، أو عسكريين ومدنيين مخضرمين. الخيار المطروح أمام الجميع هو مشروع المعاش الإجباري لكثير من القوى السياسية الحالية.
نلتقي…
أسامة ميرغني
مركز السودان للدراسات السياسية والبحوث الاستراتيجية



