كتب: المستشار معاوية أبوالريش
منذ اندلاع الصراع المسلح في السودان في أبريل 2023، يشهد العالم مأساة إنسانية مروعة تتجدد فصولها يومياً. فبينما تسقط الآلاف من الأرواح البريئة وتتشرد الملايين من أبناء الشعب السوداني، تصر قيادات الجيش السوداني على رفع شعار “بل بس” ومواصلة القتال حتى آخر جندي. هذا الموقف المتعنت لا يعبر عن إرادة حقيقية من القيادة العسكرية، بل يجسد سيطرة فلول النظام البائد وجماعة الإخوان المسلمين على مفاصل اتخاذ القرار في السودان، حيث يضعون مصالحهم الضيقة وأحلامهم في العودة للسلطة فوق معاناة شعب بأكمله.
يأتي موقف هؤلاء الرافضين للسلام متناقضاً مع أبسط تعاليم الإسلام، الدين الذي يرفعون رايته زعماً. فالله سبحانه وتعالى هو السلام – أحد أسمائه الحسنى – كما جاء في قوله تعالى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ} الحشر: 23. وقد حث القرآن الكريم على السعي للسلام في مواضع عديدة، منها قوله تعالى: {وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} الأنفال: 61. فالآية الكريمة تأمر بالميل نحو السلام عند وجود أدنى إشارة إليه من الطرف الآخر، وهذا ما تجاهله تماماً من يدعون التمسك بتعاليم الإسلام.
كما أكد النبي محمد صلى الله عليه وسلم على قيمة السلام في أحاديث كثيرة، منها قوله تعالى: {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} النساء: 128. وفي حديث آخر قال عليه الصلاة والسلام: “لَا تَتَمَنَّوُا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، وَاسْأَلُوا اللهَ الْعَافِيَةَ” رواه البخاري ومسلم. هذا الهدي النبوي واضح في دعوته لتجنب الحرب والسعي للعافية والسلام.
التاريخ الإنساني مليء بالصراعات الطويلة والمدمرة التي بدت وكأنها لن تنتهي أبداً، لكنها جميعاً انتهت في نهاية المطاف بالتفاوض وتوقيع اتفاقيات السلام. فحرب رواندا الأهلية التي اندلعت عام 1990 بين قبيلتي التوتسي والهوتو، والتي شهدت واحدة من أبشع جرائم الإبادة الجماعية في التاريخ الحديث حيث قتل نحو 800 ألف شخص في مئة يوم فقط، انتهت أخيراً عندما سيطرت الجبهة الوطنية الرواندية على البلاد في يوليو 1994. ومع أن النهاية جاءت عسكرية، إلا أن رواندا اليوم تشهد عملية مصالحة وطنية وتطوراً ملحوظاً بعد ثلاثة عقود من انتهاء تلك الحرب المدمرة.
وفي أمريكا الوسطى، شهدت نيكاراغوا وغواتيمالا والسلفادور حروباً أهلية دامية امتدت لسنوات طويلة، لكنها جميعاً انتهت بتوقيع اتفاقيات سلام في التسعينيات. حرب السلفادور الأهلية التي دارت بين 1979 و1992 وراح ضحيتها أكثر من 75 ألف شخص، انتهت بـ اتفاقية تشابولتيبيك عام 1992. وحرب غواتيمالا التي امتدت لأكثر من ثلاثة عقود (1960-1996) وخلفت أكثر من 200 ألف قتيل ومفقود، انتهت أيضاً بتوقيع اتفاقية سلام شاملة. حتى الحرب العالمية الأولى، التي وصفت بأنها “الحرب التي ستنهي كل الحروب”، انتهت بتوقيع معاهدة فرساي عام 1919. والحرب العالمية الثانية الأكثر تدميراً في التاريخ البشري انتهت بسلسلة من معاهدات السلام، منها معاهدة سان فرانسيسكو مع اليابان عام 1951.
إن تعنت قيادات الجيش السوداني في رفض السلام ليس موقفاً مستقلاً، بل هو انعكاس مباشر لسيطرة فلول النظام البائد وجماعة الإخوان المسلمين على دوائر صنع القرار. هذه القوى التي حكمت السودان لثلاثة عقود وأوصلته إلى حافة الانهيار، لا تزال تحلم بالعودة للسلطة عبر بوابة الحرب، غير آبهة بسقوط عشرات الآلاف من الأرواح البريئة وتشريد الملايين. لقد أشعلت قيادات الإخوان المسلمين فتيل هذه الحرب العبثية لتأمين عودتهم للسلطة، مستغلة نفوذها داخل المؤسسة العسكرية. وبينما يدفع الشعب السوداني ثمن هذه المغامرة السياسية بدمائه وأرواحه، تواصل هذه القيادات المتعنتة التضحية بالوطن من أجل مصالحها الضيقة.
لقد دفعت هذه الحرب المدمرة السودان إلى كارثة إنسانية مروعة، حيث شردت أكثر من 4.6 مليون شخص داخلياً، بينما فر أكثر من مليون شخص إلى البلدان المجاورة. البنية التحتية للبلاد، التي كانت منهارة أصلاً، تعرضت لمزيد من التدمير المنهجي. المستشفيات والمدارس والمرافق الحيوية تحولت إلى أطلال، والاقتصاد السوداني المتهاوي أصلاً يواجه انهياراً كاملاً. ورغم كل هذا الدمار والخراب، تصر قيادات فلول النظام البائد على مواصلة القتال، متجاهلة معاناة ملايين السودانيين الذين يواجهون خطر المجاعة والأوبئة والنزوح.
لقد فشلت جهود الوساطة الدولية المتعددة في إقناع الأطراف المتحاربة بوقف إطلاق النار والجلوس لطاولة التفاوض. إعلان جدة في مايو 2023، والجهود التي بذلتها السعودية والولايات المتحدة، كلها تحطمت على صخرة تعنت قيادات الجيش السوداني برفض أي حل سلمي. وفي يناير 2025، رفض البرهان رسمياً أحدث جهود السلام، معلناً أن جرائم الحرب التي ارتكبتها قوات الدعم السريع تحول دون التفاوض. هذا الموقف، رغم مبرراته الظاهرية، يعكس في جوهره إصرار فلول النظام البائد على الحل العسكري الذي يضمن عودتها للسيطرة الكاملة على مقاليد الحكم.
الدراسات الأكاديمية تؤكد أن نصف الصراعات المسلحة التي انتهت في فترة التسعينيات تم حلها عبر اتفاقيات تفاوضية، مقارنة بخُمس الصراعات فقط في عقود سابقة. هذا التطور يعكس نضج المجتمع الدولي وإدراكه لأهمية الحلول السلمية. التجارب الناجحة في ناميبيا والسلفادور وموزمبيق تؤكد أن السلام ممكن حتى بعد عقود من الحرب الأهلية المدمرة. لكن نجاح تطبيق اتفاقيات السلام يتطلب فهماً عميقاً لسياق كل حرب أهلية، والتزاماً دولياً حقيقياً بتوفير الموارد والدعم اللازم لضمان الالتزام بالاتفاقيات.
لا يوجد عاقل واحد يرفض السلام، لأن الحروب مهما طالت تنتهي حتماً إما بانتصار طرف على آخر أو بتوقيع اتفاقية سلام. والخيار الثاني أقل كلفة بشرية ومادية وأكثر ديمومة. فحتى الانتصارات العسكرية الحاسمة تتطلب في نهاية المطاف تسويات سياسية لضمان السلام المستدام. إن إصرار فلول النظام البائد على مواصلة الحرب ليس إلا رهاناً أخيراً على العودة للسلطة عبر الدم والخراب. وهو رهان خاسر حتماً، لأن السودان الذي سيخرج من هذه الحرب لن يكون هو نفس السودان الذي دخل إليها.
السلام في السودان لا يعني فقط وقف إطلاق النار، بل يتطلب خطة شاملة لإعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية. البلد يحتاج لاستثمارات ضخمة لإعادة بناء ما دمرته الحرب، من مستشفيات ومدارس ومرافق بنية تحتية. وهذا لن يكون ممكناً في ظل استمرار الصراع المسلح. التجربة الرواندية تعلمنا أن السلام الحقيقي يتطلب عملية مصالحة وطنية شاملة تشمل جميع أطياف المجتمع. لا يمكن بناء سودان جديد على أساس الإقصاء والثأر، بل يحتاج الأمر لعملية تطهير وطني من أحقاد الماضي وبناء مستقبل مشترك.
قوى المجتمع المدني السودانية والشباب الذين قادوا الثورة في 2018-2019 يمثلون الأمل الحقيقي للسودان الجديد. هؤلاء هم من يجب أن يقودوا عملية السلام وإعادة البناء، وليس قيادات الماضي التي أوصلت البلد إلى هذه الحالة المتردية. إن السودان اليوم على مفترق طرق حاسم: إما المضي قدماً نحو السلام وإعادة البناء، أو الانزلاق أكثر نحو الفوضى والتفكك. والمسؤولية تقع بالدرجة الأولى على قيادات الجيش السوداني لتحرير قرارها من سيطرة فلول النظام البائد وجماعة الإخوان المسلمين، والاستجابة لنداء الشعب ودعوات المجتمع الدولي لوقف الحرب.
إن الله سبحانه وتعالى يقول في محكم كتابه: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} السجدة: 24. القيادة الحقيقية تتطلب الصبر والحكمة والإيقان، وليس التعنت والعناد الأعمى الذي يضحي بأرواح الأبرياء من أجل مصالح ضيقة. التاريخ سيحاسب كل من تسبب في إطالة أمد هذه الحرب المدمرة. والشعب السوداني الذي عانى عقوداً من الاستبداد والحروب يستحق السلام والكرامة والحياة الآمنة. إن الوقت قد حان لكي تسمع قيادات الجيش السوداني صوت العقل وتختار طريق السلام، فهو الطريق الوحيد للخلاص من هذا الجحيم الذي يعيشه السودان اليوم.



