الأعمدة

العلاقات السودانية المصرية في خطر .. متى تتحرك الكوابح؟

كتب ..أحمد_عثمان_جبريل
❝ ليست العلاقات بين الدول هي أول ما ينهار، بل ثقة الشعوب.. فإذا تصدعت الذاكرة، عجزت السياسة عن ترميم ما كسرته الأيام. ❞
لم يكن ذلك الشيخ السوداني الذي يجلس كل صباح أمام منزله في أم درمان ينتظر عائداً من سفر عادي، بل كان ينتظر وطناً تفرقت أبناؤه بين المعابر والمطارات ومدن اللجوء.. كان يحدق في الطريق وكأنه يسأل: هل سيعودون كما غادروا، أم ستسبقهم إلي حكايات الغربة والانكسار؟
اليوم، لم تعد قضية السودانيين في مصر مجرد ملف لجوء أو إقامة، بل أصبحت اختباراً حقيقياً لمستقبل علاقة صنعتها الجغرافيا، وربطها النيل، ونسجها تاريخ طويل من التداخل الإنساني.. ومن هنا أقولها بوضوح: “العلاقات السودانية المصرية في خطر، بكل ما تحمل الكلمة من معنى.”
(1)
الخطر ليس لأن الحكومتين تختلفان، ولا لأن السياسة تعرف المد والجزر، بل لأن ذاكرة الشعوب بدأت تستقبل صوراً لا ينبغي أن تتكرر .. فعندما يتعرض السودانيين للإساءة أو الإهانة أو التحريض من على مصنات التواصل الاجتماعي من قبل أفراد، ثم يتولد لديهم شعور بأن هذه الوقائع لا تجد المعالجة الكافية من قبل السلطات المصرية نفسها، فإن الجرح لا يبقى فردياً، بل يتحول إلى شعور جمعي يتجاوز حدود الواقعة نفسها.
(2)
ومن الإنصاف أن يقال إن ملايين المصريين فتحوا بيوتهم وقلوبهم لإخوانهم السودانيين، وهذه مواقف لن يمحوها التاريخ.. لكن العلاقات بين الشعوب لا يحميها الكرم وحده، بل يحميها أيضاً تطبيق القانون على كل من يتجاوز أو يحرض أو يهين كرامة إنسان بسبب لونه أو صورته التي أودعها فيه الخالق سبحانه وتعالى، فالتهاون مع التجاوزات، متى وُجد أو بدا للمتضررين أنه قائم، يترك أثراً يتجاوز الحاضر إلى المستقبل.
(3)
وفي المقابل، لا يجوز أن تمر الحكومة السودانية من هذا المشهد وكأن الأمر لا يعنيها.. فما يجري لا يضع القاهرة وحدها أمام المسؤولية، بل يضع الخرطوم أيضاً أمام سؤال لا يحتمل التأجيل: أين الدولة من مواطنيها؟
فالدولة لا تُقاس فقط بوجودها داخل حدودها، بل بامتداد مسؤوليتها نحو مواطنيها أينما اضطروا للوجود. وعندما يصبح المواطن لاجئاً، تتضاعف مسؤولية وطنه، ولا تتضاءل.
(4)
وهنا يبرز سؤال أكثر إيلامًا: (متى تستعيد السفارة السودانية في القاهرة دورها الحقيقي) فالسفارات ليست مباني دبلوماسية ترفع الأعلام فحسب، وإنما بيوت للوطن خارج حدوده، وملاذ للمواطن عندما تضيق به السبل. وما ينتظره السوداني ليس امتيازاً فوق القانون، وإنما سنداً قانونياً وإنسانياً يشعره أن خلفه دولة لم تتخل عنه.
(5)
إن أخطر ما في المشهد ليس حادثة هنا أو منشوراً هناك، وإنما تراكم المرارة في نفوس آلاف الأسر السودانية.. فالطفل الذي يكبر وهو يربط المنفى بالإهانة، قد يحمل هذا الشعور سنوات طويلة.. والدول تستطيع أن توقع اتفاقيات جديدة، لكن لا أحد يستطيع أن يوقع اتفاقًا مع ذاكرة الشعوب.
(6)
لهذا فإن المسؤولية اليوم مشتركة.. على السلطات المصرية أن تواجه أي تجاوزات تمس كرامة المقيمين على أرضها بسيادة القانون، حماية للإنسان، وصوناً لصورة مصر التي عرفها السودانيون عبر عقود.. وعلى الحكومة السودانية أن تكف عن الاكتفاء بالمراقبة، وأن تستعيد دورها في حماية مواطنيها والدفاع عن حقوقهم، لأن صمت الدولة في أوقات المحنة يترك جرحاً لا يندمل بسهولة.
(7)
إن إنقاذ العلاقات السودانية المصرية لا يبدأ بالبيانات الرسمية، بل يبدأ بحماية الإنسان البسيط.. فاللاجئ الذي يشعر بالكرامة يصبح جسراً بين البلدين، أما الذي يحمل الإهانة في ذاكرته، فقد يتحول – من حيث لا يريد – إلى شاهد على تآكل تلك الجسور.
لقد خسر السودانيون بيوتهم، ولا ينبغي أن يخسروا أيضاً شعورهم بأن لهم دولة تحميهم، أو أن يفقدوا إيمانهم بعلاقة تاريخية كانت يوماً نموذجاً للأخوة وحسن الجوار.
ما ينبغي أن يفهمه الجميع، إن هذا المقال ليس دعوة إلى خصومة، ولا محاولة لإثارة الضغائن، بل هو جرس إنذار يُقرع قبل أن يصبح الصدع أوسع من أن يُرمم.. وهذا دورنا وفقا لمسؤولياتنا المهنية، فالعلاقات بين الدول لا يحرسها النيل وحده، ولا التاريخ وحده، ولا الاتفاقيات وحدها، وإنما تحرسها، قبل كل شيء (كرامة الإنسان).. الله غالب.
ومضة أفق الحرف..
لا تخاف الدول على علاقاتها يوم يختلف الساسة، بل يوم يتغير ما في قلوب الشعوب.. فالكلمات الجارحة قد تعيش أطول من البيانات، والكرامة المكسورة قد تهزم ما لم تهزمه الحروب.. لذلك، فإن حماية الإنسان ليست واجبًا أخلاقياً فحسب، بل هي آخر الكوابح قبل أن تدخل العلاقات بين الأوطان منطقة الخطر.
أفق الحرف
حيث تنطق الكلمات قبل أن تُقرأ… لأن الأفق يترفق باتساعه، وتبقى الكلمة الصادقة آخر ما يغادر الذاكرة.

زر الذهاب إلى الأعلى