الأعمدة

حدود المنطق «كافي».. حراك النهوض والتعافي.. إسماعيل جبريل تيسو

استوقفتني حالة الارتياح الكبير لدى قطاع واسع من أبناء ولاية جنوب كردفان وهم يتابعون التحركات المكوكية والحراك النشط الذي يقوم به الوالي الجديد، فريق شرطة حقوقي «محمد عبد الرحيم كافي»، منذ تسلمه مهام منصبه، بدءاً من لقاءاته واتصالاته التي أجراها في الخرطوم، مروراً بوصوله إلى كادقلي، وصولاً إلى مشاورته التي انتهت بتشكيل حكومته الجديدة، والتي أرى أن نطلق عليها «حكومة التعافي والنهوض» ذلك لأنها بين معالجة آثار الحرب وعدم الاكتفاء بإصلاح ما تهدم، ورنما التطلع إلى بناء مستقبل أفضل لجنوب كردفان – إقليم جبال النوبة.

والواقع أن حراك الوالي يعكس، إدراكاً عميقاً لحجم المسؤولية الملقاة على عاتقه، ورغبةً في التعامل مع التحديات المتراكمة بروح المبادرة والعمل، في ولاية أكل منها الحرب والحصار وشربا، وأثّرت تداعياتهما في مؤسساتها وخدماتها وحياة مواطنيها، غير أن الرهان الحقيقي لا يكمن في كثافة الحركة وحدها، وإنما في قدرة هذه التحركات على تأسيس مسار عملي للنهوض واستعادة عافية ولاية جنوب كردفان – إقليم جبال النوبة.

وتكتسب تحركات «كافي» أهميتها من سرعة انتقاله من مرحلة الاتصالات ووضع أولويات الترتيبات ثم مباشرة المهام من داخل الولاية، من خلال لعمل على تشكيل حكومته وتوزيع المسؤوليات التنفيذية، فجنوب كردفان لا تحتمل إطالة أمد الفراغ الإداري أو تباطؤ اتخاذ القرار، في ظل حاجتها إلى معالجة ملفات الأمن والخدمات والإنتاج وإعادة تأهيل المؤسسات، كما أن سرعة تشكيل الحكومة، مهما كانت مطلوبة، للشروع مباشرةً في وضع برنامج عمل محدد الأولويات تتم مراجعته خلال ١٠٠ يوم، لمعرفة مؤشرات أداء الجهاز التنفيذي ومدى مواكبته لحراك الوالي، بحيث لا يصبح هذا الحراك مجرد استجابة آنية للظروف، بل مدخلاً لإدارة مؤسسية قادرة على تحويل الإمكانات المتاحة إلى نتائج ملموسة.

لقد كان لافتاً أن يتحرك الوالي الجديد منذ وصوله إلى إجراء لقاءات مع القوات المسلحة والأجهزة الأمنية والشرطية، قبل أن يتلقَّى التهاني ومواقف الدعم والمؤازرة من قيادات الإدارات الأهلية، ذلك أن هذه اللقاءات تحمل في طيَّاتها العديد من الدلالات التي تتجاوز المجاملة الرسمية إلى ضرورة بناء شراكة متكاملة لحماية الاستقرار وترميم النسيج الاجتماعي، فالأمن يمثل شرطاً أساسياً لعودة الخدمات وتحريك النشاط الاقتصادي، بينما تظل الإدارات الأهلية مكوناً مهماً في جهود المصالحات واحتواء النزاعات والحد من الاستقطاب، وتحتاج هذه الشراكة إلى ترجمة عملية في تنسيق الأدوار، وتعزيز سيادة القانون، وإشراك المجتمعات المحلية في صناعة السلام المستدام، فاستقرار جنوب كردفان لا تصنعه الإجراءات الأمنية وحدها، وإنما يكتمل بتوفير الخدمات والعدالة وفرص الحياة الكريمة.

وفي انتقال الوالي إلى الميدان، وتفقده المستشفيات والمؤسسات المختلفة، ثم مشاركته الشباب في مبادرة إعادة تأهيل استاد كادقلي، يبعث «كافي» برسالة مفادها أن الحكومة لا ينبغي أن تبقى حبيسة المكاتب، وأن استعادة الحياة تبدأ من اقتراب المسؤولين من احتياجات الناس، فالمستشفى الذي يفتقر إلى المعدات، والمدرسة التي تنتظر التأهيل، والمرافق الذي تعطلت خدماتها، أولى بالاهتمام من أي مظاهر إدارية شكلية، كما أن مشاركة الشباب في تأهيل الاستاد تحمل معنى اجتماعياً مهماً، باعتبار أن الرياضة مساحة للتلاقي واستعادة الروح الجماعية، بيد أن الأهم من ذلك كله أن تتجاوز هذه المبادرات حدود الرمزية إلى خطط واضحة، وجداول زمنية، وموارد مخصصة، ومتابعة تضمن استدامة النتائج واتساعها لتشمل مختلف محليات ولاية جنوب كردفان- إقليم جبال النوبة.

ومع ذلك، فإن مهمة «كافي» أكبر من أن ينهض بها منفرداً، فالحكومة المركزية مطالبة بتقديم دعم مالي وفني ولوجستي يتناسب مع حجم التحديات، وترجمة المساندة إلى مشروعات فعلية في الصحة والتعليم والمياه والكهرباء والطرق والإنتاج، كما أن أبناء جنوب كردفان في الداخل والخارج مدعوون إلى توحيد الجهود، وتسخير خبراتهم وإمكاناتهم لدعم التعافي، بعيداً عن الاستقطابات التي لا تزيد الأوضاع إلا تعقيداً..
لقد اختار الوالي «محمد عبد الرحيم كافي»، أن تكون بدايته قائمة على لغة العمل والحضور الميداني، لكن نجاح التجربة سيبقى مرهوناً بما يلمسه المواطن من تحسن في الخدمات، واستعادة المؤسسات لقدرتها على أداء دورها، فجنوب كردفان تحتاج إلى منظومة متكاملة من العمل والإسناد والشراكة، التي تجعل غايتها المواطن، وهدفها الاستراتيجي تعزيز السلام والاستقرار، وإرساء دعائم التنمية والإعمار.

زر الذهاب إلى الأعلى