حين تنهار الدولة، يسقط معها احترام جواز السفر. وحين تتحول البلاد إلى ساحة قتال، يصبح مواطنها يدفع الثمن أينما ذهب
عثمان فضل الله
أمضيت أيامًا أقرأ ما يكتبه يمنيون وسوريون عن تجاربهم في المطارات، وفي البلدان التي يقيمون فيها وعن نظرات الشك، وطول الانتظار، والأسئلة التي لا تنتهي، والإجراءات التي تجعل الإنسان يشعر وكأنه متهم حتى يثبت العكس. ورغم اختلاف البلدان، فإن الألم واحد، والعبارات تكاد تكون متطابقة،مع الذي تطفح به حسابات السودانين الإحساس بالقهر والإهانة يتكرر بالحروف نفسها.
لكن المشكلة ليست في المطارات. او بلدان الإقامة فتلك ليست سوى المرآة الأخيرة. أما البداية فكانت في أوطان احترقت بالحروب.
حين تنهار الدولة، يسقط معها احترام جواز السفر. وحين تتحول البلاد إلى ساحة قتال، يصبح مواطنها يدفع الثمن أينما ذهب. العالم لا يميز بين الضحية ومن أشعل النار؛ إنه يتعامل مع نتائج الحرب، بينما يبقى المواطن البسيط هو من يسدد الفاتورة.
وفي قراءة لتجارب السودان وسوريا واليمن، يبرز دور الحركات الإسلامية السياسية، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين وفروعها أو القوى المتحالفة معها، بوصفها أحد الفاعلين الذين أسهموا في تأجيج الصراعات السياسية والعسكرية، سواء عبر السعي إلى احتكار السلطة، أو تغليب المشروع الأيديولوجي على بناء الدولة الوطنية، أو الدخول في تحالفات وصراعات انتهت إلى تمزيق المجتمعات.. نعم الحروب فيها فاعلين آخرين لكن ما يصعب تجاهله هو أن المشروع الأيديولوجي، حين يتقدم على فكرة الدولة، يصبح الوقود المثالي للحروب. فالدولة تقوم على المواطنة، بينما تقوم المشاريع العقائدية على الفرز والانتماء والولاء. وعندما تتغلب الثانية على الأولى، يصبح الاختلاف السياسي معركة وجود، لا منافسة ديمقراطية.
في السودان، كما في سوريا واليمن، انتهى الصراع إلى ملايين النازحين واللاجئين، ومدن مدمرة، واقتصادات منهارة، وأجيال فقدت حقها في التعليم والعمل والحياة الطبيعية. ولم يعد المواطن يسأل من انتصر في الحرب، بل يسأل: لماذا بدأت أصلًا؟
إن أكثر ما يوجع ليس نظرة موظف إدارات الهجرة، وإنما أن من أوصل الناس إلى هذا الحال يتحدث حتى اليوم بلغة الانتصار، بينما يقف المواطن في طوابير السفارات، يبحث عن تأشيرة أو إقامة أو فرصة نجاة.
الحروب لا تسرق البيوت فقط، بل تسرق الكرامة أيضًا. وعندما تُختطف الدولة لصالح المشاريع الأيديولوجية أو العسكرية، يصبح المواطن هو الخاسر الوحيد، مهما اختلفت أسماء المنتصرين.
لهذا، فإن الدرس الذي ينبغي أن تتعلمه شعوب المنطقة هو أن لا شيء يسبق الدولة الوطنية، ولا مشروع يعلو على حقوق المواطنين، ولا قضية تبرر تحويل الأوطان إلى ساحات حرب. فالجواز الذي يُهان في المطار، إنما بدأت إهانته يوم قرر ذلك الشخص المؤدلج أن يطلق رصاصة حريق الدولة من الداخل.



