الأعمدة

“خيوط من الظل.. الرشيد علي عمر وحسابات لا علاقة لها بالهلال”

كتب: المستشار معاوية أبوالريش
في عالم الرياضة كما في السياسة، لا تُفهم المواقف بمعزل عن توقيتاتها، ولا تُقرأ التصريحات بمعزل عن السياق الذي تنبثق منه. ومن يتأمل حملة الرشيد علي عمر المتصاعدة على المدير الفني ريجكامف ومجلس إدارة الهلال بعين باردة بعيدة عن حرارة العاطفة، سيدرك أن ما يجري لا يعدو أن يكون فصلاً جديداً في مسلسل قديم عنوانه: توظيف الهلال لخدمة مصالح ليست مصالحه.
اعتراف منصف قبل كل شيء
أمانةً مع القارئ ومع النفس، لم أكن من المتحمسين للتعاقد مع المدرب ريجكامف حين جرى الإعلان عنه. كنت أتساءل كغيري عن جدوى هذا الخيار، وعن مدى ملاءمة تجربته لطبيعة الكرة السودانية ومتطلبات الهلال التنافسية. غير أن الملاعب أقنعتني بما لم تُقنعني به الحجج، فقد نجح هذا المدرب في أن يمنح الهلال هويةً هجومية واضحة لم تكن مألوفة، وغرس في أروقة الفريق ثقافة الاستقرار والعمل المنهجي البعيد عن الارتجال. لهذا أجد نفسي اليوم في موقف مغاير تماماً، أطالب بتجديد عقد ريجكامف، لأن ما بناه يستحق الاستمرار والتطوير لا الهدم.
الإقصاء من أبطال أفريقيا.. جريمة من ارتكبها؟
نعم، خرج الهلال من سباق التأهل إلى نصف نهائي دوري أبطال أفريقيا، وكان ذلك مؤلماً لكل هلالي. لكن من أراد أن يكون منصفاً فليقرأ المشهد بكامله لا بعينٍ واحدة. الإقصاء كان نتاج تراكم أخطاء تشاركت فيها أطراف متعددة: قرارات إدارية لم تكن في مستوى اللحظة، وأداء لاعبين دون المطلوب في محطات حاسمة، فضلاً عن هفوات تكتيكية لا يمكن إغفالها. وريجكامف في هذه المعادلة طرفٌ يتحمل جزءاً من المسؤولية كما يتحملها سواه، لا أكثر ولا أقل.
أن نحمّله وحده وِزر الإقصاء هو تبسيط مُخلّ للحقيقة، وهو بالضبط ما يفعله من يبحث عن كبش فداء لا عن حل. والفارق بين الناقد الأمين والمحرض المأجور أن الأول يُشخّص الداء كاملاً، فيما يكتفي الثاني بتحميل من يريد إسقاطه كل الأوزار.
التوقيت لا يكذب
الصدف في السياسة الرياضية نادرة، والتزامن في الغالب ليس عفوياً. فمن اللافت حقاً أن تشتعل حملة التشكيك في الهلال إدارةً وجهازاً فنياً في التوقيت ذاته الذي تتحدث فيه الأوساط الرياضية السودانية عن عودة رجل الأعمال صلاح إدريس “الأرباب”، الرئيس السابق للنادي، إلى المشهد. فهل هي محض مصادفة؟ أم أن الرشيد علي عمر لا يعدو كونه بوقاً يُكبّر أصواتاً تُدار من خلف الستار، لزعزعة استقرار مؤسسة تسير اليوم بخطى رشيدة بعيداً عن وصاية الكواليس؟ الإجابة يعرفها كل من تابع مسيرة هذا الرجل مع النادي عن كثب.
ملف مثقل بالإخفاقات
ليس الرشيد علي عمر وجهاً جديداً في هذه المعادلة، فسجله مع الهلال حافل بالتدخلات التي كلّف ثمنها الفريقَ فنياً وإدارياً. في مراحل سابقة، كانت “المطابخ الصحفية” المحيطة به تعمل بانتظام لرسم مصائر اللاعبين والمدربين لا وفق معايير فنية، بل وفق حسابات لا صلة لها بملعب كرة القدم. وكان اللاعب حسين الجريف شاهداً صارخاً على تلك الحقبة المُرّة، حين أُزيح من التشكيلة في ظروف لم يقنع تفسيرها أحداً، فيما كانت قرارات التسجيل والشطب تتقلب بين يوم وليلة بما يُشبه الارتجال أكثر مما يُشبه التخطيط.
كل هذا جرى تحت غطاء “الحرص على الهلال”، وهو الغطاء ذاته الذي يُسحب اليوم من رفوف التاريخ لتبرير حملة جديدة على بنية مؤسسية آخذة في التشكل.
لماذا ريجكامف تحديداً؟
ليس اختيار ريجكامف هدفاً للهجوم اعتباطياً. المدرب الأجنبي المحترف يعمل خارج دائرة التأثير المحلي، فلا تستهويه المجاملات، ولا تُقنعه الضغوط غير الرسمية، ولا تفتح أمامه المطابخ الصحفية أبوابها لأنه ببساطة لا يقرأ ما يُكتب فيها. إنه بطبيعة عمله درعٌ مؤسسي يحول دون تغلغل النفوذ الشخصي في قرارات الفريق الفنية، وهذا بالضبط ما يستفز من اعتادوا أن يكون الملعب امتداداً لأجندتهم.
الهجوم على ريجكامف ليس نقداً فنياً، بل هو رسالة مشفرة مفادها: نريد مدرباً يمكن التأثير فيه.
فتنة مُصنّعة بين الجماهير والإدارة
الهدف الأعمق من هذه الحملة ليس إقالة مدرب، بل تفتيت الثقة بين جماهير الهلال وإدارته. لأن الجماهير المتوائمة مع إدارتها لا تحتاج “وسطاء” يتحدثون باسمها ويُسوّقون أنفسهم حُماةً للنادي. وحين تتآكل تلك الثقة تُفتح من جديد نوافذ النفوذ التي أغلقها العمل المؤسسي الهادئ.
هذا ليس تحليلاً متشائماً، بل قراءة في نمط متكرر لمن يُحسن استخدام العاطفة الجماهيرية سلاحاً لتحقيق غايات بعيدة عن مصلحة النادي.
الهلال أكبر من أن يكون ورقة
جماهير الهلال اليوم تختلف عن تلك التي كان يسهل استثارتها بشعار أو تحريكها بمقال. الوعي الجماهيري بات يُميز بين الناقد الأمين الذي يؤلمه الإخفاق ويُشعله النجاح، وبين من يتخذ من النادي منبراً موسمياً يعلوه كلما اقتضت المصلحة وينزل عنه حين تهدأ الحسابات.
الاستقرار الفني والإداري الذي ينعم به الهلال اليوم ليس هبةً من السماء، بل هو ثمرة عمل مؤسسي صبور يستحق الصون لا الهدم. ومن أراد أن ينتقد فليتحدث بلغة الأرقام والمعايير لا بلغة الحشد والتحريض.
أما خيوط الظل التي تُحرك المشهد من بعيد، فإن الضوء وحده كفيل بكشفها.
والهلال.. فوق الجميع.

زر الذهاب إلى الأعلى