الأعمدة

بين أبو شنب وخضر الكعيك وود الحاج وأبو منذر… حكاية الأعشاب في سوق عطبرة

دكتور أسامة خيال
في سوق عطبرة الكبير، حيث تختلط روائح البهارات والعطور البلدية برائحة القهوة المحوجة، كانت دكاكين العطارين لا تقل شهرة عن ورش السكة الحديد نفسها، وكان الناس يعرفون أبا شنب وخضر الكعيك وود الحاج وأبا منذر كما يعرفون مواعيد القطارات، بل إن بعضهم كان يقول مازحاً: «إذا ضاعت منك وصفة جدتك، فاذهب إلى سوق العطارة في عطبرة، فهناك من يحفظ أسرار النباتات أكثر مما يحفظ موظف البريد أسماء الشوارع». وكان أبو شنب، صاحب الشارب الأسطوري، يقول دائماً إن الله لم يخلق داءً إلا وجعل له دواءً، لكنه كان يضيف بحكمته المعهودة: «الدواء زيو زي السكين، ينفع في يد الطباخ ويضر في يد المستعجل».
وكانت أكياس الزنجبيل (Ginger) والكركم (Turmeric) والنعناع (Mint) والبابونج (Chamomile) واليانسون (Anise) والشمر (Fennel) والحلبة (Fenugreek) والقرفة (Cinnamon) والقرنفل (Clove) تملأ الدكاكين حتى يخيل للداخل أنه دخل حديقة نباتية لا سوقاً شعبية. وذات صباح شتوي بارد، جاء العم عبد الله موظف حسابات بالسكة حديد يشكو من الزكام، فما كان من أبي شنب إلا أن ناوله كوباً ساخناً من الزنجبيل (Ginger) مع قليل من القرنفل (Clove)، وقال له ضاحكاً: «اشرب يا عبد الله، وخلي البرد يفتش ليهو محطة تانية يقيف فيها». فضحك الحاضرون، لكن خضر الكعيك تدخل قائلاً: «يا جماعة، الخير في الاعتدال، فالزيادة في العلاج مثل الزيادة في الملح، تخرب الطبيخ». وكان خضر الكعيك مولعاً بـ الكركم (Turmeric)، حتى صار بعض أصدقائه يقولون ساخراً إن الرجل لو استطاع لصبغ عربات السكة الحديد بالكركم بدلاً من الدهان.
أما ود الحاج، فكان يؤمن بأن المعدة أصل الحكاية، ولذلك كان ينصح كل من يشكو من المغص أو الانتفاخ باستعمال النعناع (Mint) واليانسون (Anise) والشمر (Fennel)، مردداً المثل القديم: «البطن بيت الداء، والاعتدال سيد الدواء». أما أبو منذر، فقد اشتهر بتقديم البابونج (Chamomile) لكبار السن، وكان يقول إن هذه العشبة مؤدبة أكثر من بعض البشر، فهي تهدئ الأعصاب وتساعد على النوم دون أن تثير المشاكل. وفي شهر رمضان، كان الكركدي (Hibiscus) سيد الموائد، حتى إن أبا شنب كان يمازح زبائنه قائلاً: «الكركدي موظف محترم، يخفض الضغط ولا يطالب بعلاوة سنوية».
وكان ود الحاج يدافع عن الحلبة (Fenugreek) كما يدافع المشجع المتعصب عن فريقه المفضل، فإذا اشتكى أحد الشباب من رائحتها قال له: «يا ولدي، ليس كل ما يفيد تشتهيه الأنوف». أما أبو منذر فكان يوصي الناس بالإكثار من الثوم (Garlic) والبصل (Onion)، ثم يضحك قائلاً: «صحيح أنهما قد يسببان أزمة دبلوماسية داخل الحافلات، لكن القلب والمناعة يشكران صاحبهما». وكان بعض الزبائن يأتون لشراء الحبة السوداء (Black Seed) والميرمية (Sage) وإكليل الجبل (Rosemary) والصمغ العربي (Gum Arabic) والمورينغا (Moringa) والقسط الهندي (Costus) والأشواجندا (Ashwagandha) والجنكة (Ginkgo Biloba) ولبان الذكر (Frankincense)، وكأنهم يجمعون جيشاً من الأعشاب لمواجهة كل أمراض الدنيا.
وفي أحد الأيام دخل العم حسن ود الناظر إلى السوق وهو يحمل أكياساً من القرفة (Cinnamon) والحلبة (Fenugreek) وأوراق الزيتون (Olive Leaves)، ثم أعلن أمام الجميع بفخر: «من اليوم لا حاجة لي بالأطباء، فقد أصبحت الصيدلية كلها في منزلي». عندها هز أبو شنب شاربه الشهير وضحك قائلاً: «يا حسن، المثل يقول: القشة لا تقود السفينة، ولا ينبغي للزول أن يترك المركب ويتمسك بها». وأضاف خضر الكعيك: «الأعشاب نعمة، لكن الطبيب أيضاً نعمة». وتصادف في تلك اللحظة مرور الدكتور صابر، فدعوه للجلوس وشرب كوب من الكركدي (Hibiscus). وبعد أن ارتشف منه قليلاً، قال مبتسماً: «العلم الحديث أثبت فوائد كثيرة للزنجبيل والكركم والبابونج والثوم والحبة السوداء والصمغ العربي وغيرها، لكن كلمة طبيعي لا تعني دائماً أنه آمن. فبعض الأعشاب قد تتداخل مع أدوية السكري والضغط وأمراض القلب والكلى، والإفراط فيها قد يحول النعمة إلى نقمة».
فابتسم أبو منذر وقال: «نحن يا دكتور لا نبيع المعجزات، وإنما نبيع ما ورثناه عن الآباء والأجداد». فرد الطبيب ضاحكاً: «وأنا أيضاً لا أبيع المعجزات، بل أبحث عما أثبته العلم». وهنا تدخل أبو شنب قائلاً: «إذن نحن وإياكم أولاد عم، أنتم بالسماعات ونحن بالموازين». فضج المجلس بالضحك، وقال ود الحاج: «لو كانت الأعشاب تشفي كل الأمراض لأغلق الأطباء المستشفيات وفتحوا دكاكين عطارة، ولو كانت الحبوب وحدها تكفي لما خلق الله كل هذه النباتات». فاتفق الجميع على أن الحكمة ليست في إلغاء أحد الطرفين، وإنما في الجمع بين الموروث الشعبي الصحيح والرؤية العلمية الرشيدة.
ومنذ ذلك اليوم، صار أهل عطبرة يرددون أن التراث بلا علم يشبه قطاراً بلا سائق، والعلم بلا تراث كشجرة بلا جذور. وأصبح أبو شنب وخضر الكعيك وود الحاج وأبو منذر ينصحون زبائنهم بالاستفادة من الأعشاب الطبية بحكمة واعتدال، وأن ينظروا إليها باعتبارها وسائل مساعدة ومكملة للطب الحديث وليست بديلاً عنه، فالعافية لا تأتي بالمبالغة، وكما يقول أهل السودان: «الزاد إن زاد عن حده انقلب إلى ضده»، والعشبة النافعة مثل الصديق الصالح، تنفع إذا أحسنت صحبتها، لكنها قد تصبح عبئاً إذا أسيء استعمالها. وهكذا ظلت عطبرة، مدينة الحديد والنار، تحتفظ بتراثها العريق في طب الأعشاب، تجمع بين حكمة العطارين وخبرة الأطباء، وتؤمن بأن الوقاية خير من العلاج، وأن خير الأمور أوسطها.
كتبها الدكتور المهندس اسامة خيال

زر الذهاب إلى الأعلى