الأعمدة

منذ الرصاصة الأولى، لم يكن السؤال الأكثر أهمية: من سيتقدم في الميدان؟ بل: ماذا سيبقى من البلاد عندما يتوقف إطلاق النار؟

منذ الرصاصة الأولى، لم يكن السؤال الأكثر أهمية: من سيتقدم في الميدان؟ بل: ماذا سيبقى من البلاد عندما يتوقف إطلاق النار؟
وسط صخب البنادق، وضجيج بيانات النصر، وخرائط السيطرة التي كانت تتبدل كل يوم، كان هناك صوت آخر، أقل صخبًا وأكثر بصرا وبصيرة . صوت يقول إن الحرب ليست طريقًا إلى الدولة، بل طريقًا إلى خرابها. لم يكن ذلك الصوت يملك الدبابات ولا الطائرات، لكنه كان يملك شيئًا آخر: القدرة على رؤية النهاية من أول الطريق.
اتفقنا أو اختلفنا مع تحالف “صمود”، ومع القوى المدنية التي رفضت الحرب منذ يومها الأول، فإن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأنها كانت الأكثر اتساقًا مع منطق السياسة، والأقرب إلى قراءة ما كانت الحرب تخفيه وراء شعاراتها الكبيرة.
قالوا إن هذه الحرب لا منتصر فيها. قيل لهم إنهم يثبطون الهمم، وإنهم لا يفهمون منطق المعارك. واليوم، بعد أربعة أعوام من الإبحار في أمواج الدم، لا يبدو أن أحدًا انتصر، ولا شاطئ ظهر بينما يبدو السودان كله هو الذي خسر. المدن التي كانت عامرة أصبحت أطلالًا، والقرى التي كانت تنام على أصوات الأطفال تستيقظ على هدير المسيّرات، والملايين صاروا لاجئين داخل وطنهم أو غرباء خارجه.
وقالوا إن الحرب، مهما رفعت من شعاراتها، ستعيد إنتاج العنف بدل أن تنهيه. وإن الحديث عن تفكيك ميليشيا واحدة بقوة السلاح لن يقود إلى دولة تحتكر السلاح، بل إلى سوق مفتوحة للمليشيات. يومها بدا الكلام للبعض مبالغًا فيه، لكن الوقائع كانت أكثر قسوة من التوقعات. فما كان تنظيمًا واحدًا صار عشرات التشكيلات، وما كان نزاعًا بين قوتين تمدد إلى غابة من السلاح والولاءات المحلية، والخارجية حتى غدا عدّ المليشيات مهمة أصعب من عدّ الضحايا.. وبات قائد الجيش يطلب وساطة الجيران للتهدئة بين من يتنازعون حوله.
قالوا إن الحروب لا تبني وطنًا، وإنها لا تزرع سوى المقابر. لم يكن ذلك شعارًا أخلاقيًا بقدر ما كان وصفًا باردًا لقانون التاريخ. فما من حرب أهلية خرج منها بلد أكثر تماسكًا، وما من رصاصة استطاعت أن تحل محل السياسة. واليوم، لا يحتاج السوداني إلى تقرير أممي ليعرف ذلك. يكفي أن ينظر حوله: مدارس أغلقت، ومستشفيات انهارت، وحقول جفت، ومدن فقدت ملامحها، وأجيال كاملة تتعلم لغة النزوح أكثر مما تتعلم لغة الوطن.
ربما أخطأت هذه القوى في بعض حساباتها السياسية، وربما اختلف الناس معها في التفاصيل، لكن موقفها المركزي ظل ثابتًا: لا للحرب. وفي زمن كانت فيه المزايدات أسهل من التفكير، كان مجرد الدفاع عن السلام يبدو وكأنه تهمة.
لقد أثبتت السنوات أن الشجاعة ليست دائمًا في حمل السلاح، بل قد تكون في مقاومة سيطرة السلاح . وأن الحكمة ليست في إطلاق الرصاصة الأولى، بل في منع أن تكون الرصاصة الأخيرة بعد ضياع كل شئ.
لا تزال الحرب تمضي، كأنها آلة لا تشبع من الخراب. لكن الحقيقة التي حاول كثيرون الهروب منها تعود في كل صباح أكثر وضوحًا: لا طريق إلى السودان إلا عبر السياسة، ولا مستقبل يُبنى على جماجم السودانيين، ولا دولة يمكن أن تولد من رحم حرب أهلية مفتوحة.
سيأتي يوم يهدأ فيه دخان البنادق، وحينها لن يسأل التاريخ من ربح معركة هنا أو خسر موقعًا هناك. سيسأل سؤالًا واحدًا: من الذي حاول أن ينقذ البلاد بينما كان الجميع يتنافسون على أنقاضها؟ وعندها، سيكون من الصعب تجاوز حقيقة أن أصواتًا مدنية، مهما كان الخلاف معها، رأت الكارثة قبل وقوعها، وحذرت منها، ودفع أصحابها ثمن تمسكهم بفكرة بدت يومًا مستحيلة: أن الوطن أكبر من أي انتصار عسكري، وأن السلام، مهما تأخر، يظل الانتصار الوحيد الذي يستحقه السودانيون.
وبس

زر الذهاب إلى الأعلى