الحقيقة المرّة التي تتكشف بعد كل هذا الخراب هي أن الطرفين الجيش والدعم السريع “الحركة اللاإسلامية” يلتقيان في هدف واحد:

يحيى أبنعوف
لن تقف الحرب الا بعد اذلال وتركيع الشعب السوداني بدأت الفصول الأولى للمأساة بانشقاقات في صفوف الجيش والانسحاب المريب من بعض المدن، مما فتح الباب عريضاً لتمدد مليشيا الدعم السريع. دفع المدنيون الفاتورة الأقسى عبر قتلٍ، ونهبٍ، واغتصابٍ منهجي، وتهجيرٍ قسري، وحصارٍ خانق عانت منه العاصمة الخرطوم وإقليم دارفور، ولا سيما مدينة الفاشر الصامدة التي سقطت أخيراً في يد الدعم السريع. واليوم تطوق يد الحصار مدينة الأُبيّض الحيوية، بينما لم يقتصر هذا الدمار على دارفور وحدها؛ بل امتدت الشرارة والتأثيرات الكارثية لتطال المدن الشمالية والشرقية والغربية وكل أطراف السودان. تسببت هذه الفظائع في تدمير البنية التحتية، وتفشي المجاعة، ونزوح ولجوء الملايين بحثاً عن الأمان.
واليوم، تدور الدائرة ليعود المشهد بعكسه: انسحابات وانشقاقات في صفوف الدعم السريع، وعودة للارتماء في “حضن الجيش”. إنها ذات اللعبة القديمة والمكشوفة؛ حيث يرتدي عناصر الدعم السريع تارةً أزياء جهاز الأمن، وتارةً ملابس الشرطة أو الجيش، تماماً كما فُعل في الماضي لمطاردة المتظاهرين السلميين، وتصفيتهم، وانتهاك الحرمات.
ثمة حقائق نرفض رؤيتها رغم وضوحها الفاضح؛ نُخفي رؤوسنا في حضن أحداثٍ أكثر قبحاً من الحقيقة ذاتها، فتغيب عنا لعقود. وهنا تبرز الأسئلة الملحة والألغاز التي تعصر قلب كل مواطن سوداني:
أين كانت منظومة الأمن والدولة؟ أين كان البرهان وجيشه؟ وأين كانت القوات الجوية، والدفاع الجوي، والشرطة، وأجهزة أمن الدولة السودانية عندما استبيحت منازل المواطنين بالسرقة والقتل والاغتصاب في أيام الحرب الأولى؟ كيف لتمردٍ بحجم دولة أن ينساب دون مواجهة حقيقية إلا بعد أشهر وسنوات؟
مسرحية الاستسلام المتبادل: يرى قطاع واسع من الشعب السوداني أن سيناريوهات التسليم والاستلام، واستسلام قيادات وضباط من الجيش للدعم السريع في بدايات الحرب، ثم المشهد العكسي اليوم باستسلام قادة وجنود من الدعم السريع للجيش، ما هي إلا “تمثيليات متفق عليها” ومسلسل هوليودي خيالي رُسم بدموية لإركاع هذا الشعب.
إن الذي يحدث هو تمثيلية منظمة تدار بواسطة جهاز أمن الدولة، حيث يتعمد الطرفان بث سموم الكراهية والعنصرية في الشعب السوداني من أجل تفتيته وتمزيقه. وهذا الحديث ليس وليد اليوم، بل ذكره عمر البشير من قبل وقال مقولته الشهيرة: “إما أن نكون نحن.. أو الطوفان”، وهذا تماماً ما حدث ويحدث الآن في السودان.
إن الحقيقة المرّة التي تتكشف بعد كل هذا الخراب، هي أن الطرفين –الجيش المخترَق من عناصر “الحركة اللاإسلامية” والدعم السريع– يلتقيان في هدف واحد: الانتقام من الشعب السوداني، وإبادته، وتصفية ثورة ديسمبر المجيدة.
ففي مناطق سيطرة الجيش، يعاني المواطن المغلوب على أمره من مآسي الجباية، والضرائب الباهظة، والفقر، والجوع، وانقطاع الكهرباء والمياه وتجويع الحاضنة الشعبية. وفي مناطق سيطرة الدعم السريع، تتكرر نفس المأساة بأساليب أكثر بربرية من نهب وقهر وإذلال. إنه تكتيك مزدوج لخنق المواطن من الطرفين حتى يستسلم كلياً.
نعيد ونكرر أن هذه الحرب العبثية اللعينة ليست وليدة الصدفة، بل هي خطة وضعتها “الثورة المضادة” بقيادة تنظيم الحركة الإسلامية وجهاز أمنها بمشاركة بعض الدول بالتفصيل، كخيار أخير عندما استعصى عليهم تركيع الشعب الثائر. إنه مخطط مرسوم بعناية لإيصال المواطن إلى نقطة اليأس الشديد، والاستسلام للأرض وللواقع المر، ليقبل بالأسوأ مقابل نقطة أمان أو شربة ماء، وليستسلم مجدداً لسلطة الكيزان.



