
*✍️ضياء الدين محمد أحمد*
*عندما نتحدث اليوم عن المجاعة في السودان، يجب أن نبدأ من سؤال يبدو بسيطاً لكنه في الحقيقة شديد الأهمية:* *إذا كانت المنظمات الدولية نفسها تقول إن نحو 20 مليون سوداني يواجهون مستويات حادة من الجوع، وإذا كانت مناطق سودانية قد صُنفت فعلاً ضمن المرحلة الخامسة، فلماذا لا نرى إعلاناً أممياً بأن السودان يعيش مجاعة شاملة؟*
*الإجابة تحتاج إلى قدر من الدقة. فالأمم المتحدة والمنظومة الإنسانية لم تتجاهلا المجاعة السودانية، ولم تنتظرا حتى اليوم لتكتشفها. فقد تم تأكيد ظروف المجاعة في مناطق سودانية منذ عام 2024، ثم توسعت قائمة المناطق التي ثبتت فيها المجاعة أو أصبحت معرضة لخطرها.*
*لكن هذه التصنيفات لا تعني أن السودان كله صُنّف رسمياً في المرحلة الخامسة. والسبب الأساسي يتعلق بطريقة القياس نفسها: المجاعة لا تُعلن لمجرد أن الجوع واسع ومدمر، وإنما وفق معايير فنية صارمة تحتاج إلى بيانات يمكن التحقق منها على مستوى مناطق محددة.*
*وهنا تبدأ المشكلة السودانية الكبرى.*
*التقارير الدولية الحالية تتحدث عن نحو 200 ألف شخص في المرحلة الخامسة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، أي مستوى «الكارثة»، خلال الفترة الحالية. لكن هذا الرقم لا ينبغي أن يُفهم باعتباره عدد جميع السودانيين الذين يعيشون ظروفاً شبيهة بالمجاعة. إنه عدد الأشخاص الذين أمكن تصنيف أو تقدير أو توثيق أوضاعهم وفق المنهجية والبيانات المتاحة في المناطق التي أمكن تحليلها.*
*وهذا فرق جوهري.*
*فالـIPC نفسه أشار إلى أن التحليل الأحدث لم يتمكن من تغطية السودان كله بسبب فجوات البيانات، وأن التغطية الجغرافية أصبحت محدودة بصورة كبيرة. وهذه ليست ملاحظة هامشية لأنها تعني أن المناطق التي لا توجد عنها معلومات كافية لا تدخل ببساطة في الرقم النهائي بالطريقة نفسها التي تدخل بها المناطق التي أمكن جمع البيانات عنها.*
*إذن علينا أن نسأل: ماذا يحدث في المناطق التي لا تصل إليها فرق المسح؟ ماذا عن القرى التي قطعت الحرب طرق الوصول إليها؟ ماذا عن المناطق التي انقطعت عنها الاتصالات؟ ماذا عن النازحين الذين ينتقلون من مكان إلى آخر؟ ماذا عن الأسر التي لا تصل إلى مراكز العلاج أصلاً، وبالتالي لا تظهر حالات سوء التغذية فيها في سجلات المؤسسات الصحية؟*
*غياب البيانات ليس غياباً للجوع.*
*بل في ظروف الحرب يمكن أن يكون غياب البيانات أحد مؤشرات خطورة الوضع نفسه.*
*لدينا مثال واضح على ذلك. فقد أشارت تقارير الـIPC سابقاً إلى أن منطقة الدلنج كانت تواجه ظروفاً شديدة الخطورة مشابهة لمناطق أخرى صُنفت فيها المجاعة، لكن نقص البيانات منع تصنيفها رسمياً بالطريقة نفسها.* *وهذا يوضح الفرق بين «عدم وجود دليل كافٍ لإعلان التصنيف» وبين «وجود دليل على عدم وجود المجاعة». الأول لا يعني الثاني.*
*وهنا يجب أن نتعامل بحذر شديد مع رقم 200 ألف.*
*لا نستطيع علمياً أن نقول إن العدد الحقيقي هو مليون أو مليونا شخص من دون مسح يثبت ذلك. لكن في المقابل لا يجوز أن نتعامل مع الرقم الموثق باعتباره سقفاً نهائياً للكارثة، خصوصاً عندما تكون التغطية الجغرافية محدودة، وعندما تكون مناطق كاملة من البلاد صعبة الوصول.*
*بل إن المفارقة أكثر وضوحاً عندما نقارن بين حجم الجوع الكلي وحجم المرحلة الخامسة.*
*برنامج الأغذية العالمي يتحدث في سبتمبر 2026 عن قرابة 20 مليون شخص يواجهون الجوع في السودان، في حين أن مئات الآلاف فقط يظهرون في أعلى مرحلة من التصنيف.*
*وهذا ليس تناقضاً؛ لأن المراحل من الثالثة والرابعة والخامسة تعبر عن مستويات مختلفة من انعدام الأمن الغذائي، وليس كل شخص يعاني الجوع يكون في المرحلة الخامسة. لكن الفارق الهائل بين ملايين الجوعى وعدد المصنفين في المرحلة الخامسة يجعلنا ننتبه إلى أن المجاعة ليست كل أزمة الغذاء، كما أن المرحلة الخامسة ليست كل حجم الجوع.*
*والسؤال الآخر: لماذا يصعب إعلان مجاعة شاملة على مستوى السودان؟*
*لأن «المجاعة» في نظام التصنيف ليست وصفاً سياسياً عاماً للأزمة الوطنية، وإنما تصنيف جغرافي يستند إلى مؤشرات محددة تتعلق باستهلاك الغذاء، وسوء التغذية، والوفيات، وغيرها من الأدلة. لذلك يمكن أن تكون منطقة داخل الدولة في حالة مجاعة، بينما تكون منطقة أخرى في مرحلة الطوارئ، وثالثة في مرحلة الأزمة، حتى لو كانت الدولة كلها تعيش حرباً وانهياراً اقتصادياً.*
*لكن السودان حالة استثنائية من ناحية أخرى: الحرب نفسها تعوق إنتاج البيانات التي يحتاجها العالم لإثبات حجم المجاعة.*
*وهنا تظهر دائرة خطيرة:*
*الحرب تمنع الوصول إلى السكان*
*عدم الوصول يمنع جمع البيانات*
*نقص البيانات يمنع التصنيف في بعض المناطق*
*عدم التصنيف قد يجعل حجم الأزمة يبدو أصغر في الخرائط*
*وفي الوقت نفسه تستمر الحرب التي تزيد الجوع وتدمر القدرة على إنتاج الغذاء.*
*لهذا يجب ألا تتحول الخريطة الفنية إلى صورة كاملة للسودان.*
*فإذا كانت المنظمات تستطيع الوصول إلى مناطق محددة فقط، فإن الرقم الذي تنتجه تقاريرها هو رقم الموثق والقابل للقياس، وليس بالضرورة الرقم الكامل لكل إنسان يعيش الجوع في البلاد.*
*وهذا لا يعني التشكيك في المنظمات أو اتهامها بالتقصير. على العكس، علينا أن نستخدم تقاريرها بصورة أكثر وعياً.*
*عندما تقول منظمة دولية إن هناك 200 ألف شخص في المرحلة الخامسة، نسأل معها:* *كم منطقة شملها القياس؟ وكم منطقة لم تدخل في التحليل؟ وكم منطقة لا توجد عنها بيانات كافية؟*
*وعندما تقول إن نحو 20 مليون شخص يواجهون مستويات حادة من الجوع، فإن السؤال يصبح أكبر: كيف يمكن لبلد بهذا الحجم من الأزمة الغذائية أن يستمر في التعامل معها باعتبارها مجموعة من *البؤر الإنسانية* المنفصلة؟*
*السودان لا يعيش أزمة غذاء في دارفور وحدها، ولا في كردفان وحدها.* *الحرب دمرت الزراعة والأسواق والنقل والدخل والخدمات الصحية، ودفعت ملايين الناس إلى النزوح، ورفعت تكلفة الغذاء، وأضعفت قدرة الأسر على شراء احتياجاتها الأساسية.*
*وبرنامج الأغذية العالمي يحذر حالياً من أن نقص التمويل نفسه أصبح يحد من قدرته على الاستجابة؛ إذ انخفض تمويل عملياته في السودان بصورة حادة، بينما يحتاج البرنامج إلى مئات الملايين الإضافية للحفاظ على عملياته الحالية.*
*إذن، السؤال الصحيح ليس فقط: لماذا لم تعلن الأمم المتحدة المجاعة في السودان كله؟*
*السؤال الأعمق هو: هل تستطيع منظومة دولية تعتمد على البيانات الميدانية أن ترى بصورة كاملة كارثة تحدث داخل بلد أصبحت أجزاء واسعة منه غير قابلة للوصول؟*
*هذه نقطة يجب أن تكون حاضرة في قراءة كل رقم.*
*فالرقم المعلن مهم، والتقرير الدولي مهم، والمنهجية العلمية مهمة، لكننا يجب أن نقرأ أيضاً ما وراء الرقم:* *المناطق غير المقاسة، والسكان غير المرئيين، والأسر التي لا تصل إليها المساعدات، والأطفال الذين لا يصلون إلى مراكز التغذية، والقرى التي انقطعت عن الأسواق والخدمات.*
*وفي النهاية، المجاعة ليست كلمة تنتظر إعلاناً أممياً حتى تصبح حقيقة بالنسبة للإنسان الذي لا يجد وجبة يأكلها.*
*الجائع لا ينتظر التصنيف.*
*والطفل الذي يعاني سوء التغذية لا يعرف هل دخلت قريته في خريطة المرحلة الخامسة أم بقيت خارجها بسبب نقص البيانات.*
*لهذا يجب أن يكون موقفنا أكثر وضوحاً:* *نطالب الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية بتوسيع عمليات الرصد والوصول، ونشر بيانات أكثر تفصيلاً عن المناطق التي لم يمكن تقييمها، وعدم التعامل مع فجوات المعلومات باعتبارها فجوات في الجوع نفسه. وفي الوقت ذاته، يجب أن تتحول قضية الغذاء من مجرد ملف إغاثة إلى قضية وطنية تتعلق بوقف الحرب، وحماية المدنيين، وإعادة تشغيل الإنتاج الزراعي، وتأمين الأسواق، وحماية المزارعين والعمال والرعاة، واستعادة قدرة السودان على إنتاج غذائه.*
*السؤال ليس فقط: أين أعلنت المجاعة؟*
*السؤال الذي يجب أن يظل مفتوحاً هو:*
*أين الجوع الذي لم نستطع حتى الآن أن نقيسه؟*
*وهنا ربما تكون أخطر أرقام المجاعة السودانية هي الأرقام التي لم تصل بعد إلى أي تقرير.*



