الأعمدة

صديقي المحتال

..عبد الكريم البليخ
في مدينةٍ تتنفس الغبار أكثر مما تتنفس الهواء، وفي شارع يعجّ بأصوات المقصّات وموسيقى الراديو العتيق، كانت تنمو صداقتي مع رجلٍ يُشبه المدن القديمة: غامض، مدهش، يخبئ تحت هدوئه ضوضاءً لا يُحسن البوح بها. كان ياسر، الحلاّق البارع، الصديق الذي توهّمتُ أنه مرآةٌ نقيّة تعكس صفائي، لكنّ الزجاج، كما أدركت لاحقاً، قد يُخفي وراء لمعانه شقوقاً خفيّة لا تراها إلا حين تسقط عليه الشمس في ميلانها القاسي.
لم تكن صداقتنا عابرة. كانت نسيجاً من التفاصيل الحميمة، من جلسات طويلة في محله الصغير، ومن الأحاديث المتشابكة بين مقصٍّ يَرقص على الرؤوس، وكأس شايٍ يتصاعد منه بخار خفيف، يشبه خيالاتنا التي كانت تحلّق نحو آفاق أبعد من هذا الشارع، أبعد حتى من المدينة التي كانت تُقيّد أحلامنا رغم زيف اتساعها.
ياسر لم يكن بحاجة لأي شيء مادي، لكنه كان يرزح تحت سطوة الجشع. جشعٌ لا يولد من الفقر، بل من الرغبة في أن تمتد اليد إلى ما لا يُمسك، إلى البعيد البراق، إلى المال حين يتجلى في هيئته الأميركية الساحرة. يعيش في بيت متواضع، لكنه مريح، يضمّ أمّه العَجوز، وأخاه وعائلته، ويملك محلاً يَدرّ عليه الذهب، كما كان يُردّد دائماً. لكن كل هذا لم يكن كافياً. كان يريد أكثر. دائماً أكثر.
الاغتراب، في حقيقته، ليس ذلك القرار المتعلق بحجز تذكرة طائرة أو إيداع جواز سفر في درج السفارة. إنه شعورٌ يبدأ في الداخل، حين يصبح المكان حولك ضيقاً كقميص قديم لا يليق بجسدك المتضخّم بالطموحات. هكذا كان ياسر، يحمل داخل عينيه نظرة رجل يريد الهروب لا من واقعه فقط، بل من ذاته، من مسؤوليته كأب، كزوج، كابن.
وأنا، الذي اعتبرت نفسي شاهداً على هذا التحوّل، لم أرَ سوى طبقة رقيقة من الحقيقة. ساعدته، كما يفعل الأصدقاء، جمعت له الأوراق، رتّبت له المواعيد، ووقفت إلى جانبه كجدارٍ قديم يظنه الناس صلباً. لكنه، في المقابل، كان يُخطط لا لرحلة عمل، بل لهروب مدروس من كل قيد. حتى أطفاله الذين تركهم خلفه، لم يكونوا أكثر من ظلال لا تحرّك فيه حنيناً أو تردداً.
في ذلك الوقت، لم تكن أميركا مجرد بلد. كانت أسطورة. كانت وعداً بالذهب، بالنجاة، بحياةٍ لا تُشبه هذا العالم العربي المُحبط. وكنتُ، ربّما عن سذاجة، أظن أنَّ صديقي سيبقى نقياً حتى وسط تلك الأسطورة. لكن الأساطير، كما تعلّمت لاحقاً، لا تصنع الأبطال دائماً، بل قد تُظهر الجشع في أبهى تجلياته.
وصلنا إلى نيو أورلينز، مدينة تُشبه امرأة تتزيّن بالغموض. التقينا “أبو محمد”، رجلٌ غريب الوجه والهوى، لكنه كان كريم الضيافة، فاحتضن غربتنا وسهّل أولى خطواتنا في هذا العالم الغريب. عملنا في محل تجاري صغير، ثم انتقل ياسر إلى محل حلاقة آخر. هناك، وسط الزبائن العرب والأميركيين، وجد طريقه إلى امرأة أميركية تكبره بثلاثين عاماً. تزوّجها، لا حبّاً بل طمعاً، مدفوعاً بفكرة الحصول على الجنسية وربّما المال.
لم يكن زواجه سوى امتداد لحيلته الكبرى. كان يعيد صناعة ذاته، لا كحلاّق فقط، بل كمحتال أنيق يُجيد التمثيل. سجّل نفسه كمتزوج، وعاد إلى سورية ليُعيد الكرّة، وليتجهّز لسفرة أخرى أكثر جرأة.
في السفرة الثانية، كنت معه مجدداً. ساندته، موّلت جزءاً من الرحلة، كنت أظنه قد تعلّم من الماضي، لكنه، بدلاً من ذلك، كان يُعدّ لخديعة جديدة. عند وصولنا مطار نيواورليانز، تم احتجازه بسبب مخالفاته السابقة، وتم ترحيله في اليوم التالي. أما أنا، فقد خيروني بين الدخول أو العودة. اخترت الثانية. لا رغبة مني، بل تضامناً أعمى مع صديقٍ لم أعد متأكداً من كونه يستحق ذلك اللقب.
عدنا إلى الرّقة، المدينة التي بدت لي أكثر ضيقاً من قبل. كنتُ أرجو في أعماقي أن يعترف ياسر بالجميل، أن يردّ الدين، أو على الأقل، أن يُواجهني بصدق. لكنه تهرّب، وناور، وراوغ. وعندما طالبته صراحة، لجأ إلى الإنكار. حلف زوراً، وتنكّر لكل شيء. ذهلت. لم يكن أمامي سوى القضاء، رفعت دعوى، لكنه خرج منها كالماء من بين الأصابع، بعدما أقسم زوراً.
وهكذا، ماتت صداقتنا. ليس لأن المال ضاع، فذاك يُعوّض، ولكن لأن شيئاً أعمق انكسر: الثقة. حين تنهار الثقة، لا يبقى من الصداقة سوى هيكل فارغ. شبحٌ يتجوّل بين الذكريات ولا يعرفُ كيف يُدفن.
لم تكن هذه الحكاية لتحدث في فراغ. إنها ابنة بيئتها. مدينة الرّقة، بمبانيها الإسمنتية المتعبة وشوارعها التي تُشبه الطرق المنسية، كانت تحتضن أمثال ياسر بالعشرات. رجالٌ يعيشون في حدود الممكن، لكنّ عيونهم شاخصة نحو المستحيل. الحلاقة، تلك المهنة التي تنطوي على ملامسة يومية للآخر، تحمل فيها غرابةً من نوع خاص: هي مهنة العلاقة، والحوار، والمظهر. لكنها قد تكون أيضاً، كما في حالة ياسر، مهنةً للتمويه، للتمثيل، وللخداع.
وراء كل زبون، كان ياسر يبتسم. لكنه حين يُغلق المحل مساءً، كان يخطط لشيء آخر. المال كان معبوده، وأميركا كانت “القدّيسة” التي يوهم بها نفسه. أما نحن، أصدقاؤه، فكنا مجرد سلالم.
أحياناً، لا تحتاج الخيانة إلى سكّين. قد ترتدي ابتسامة. وقد تأتي من شخصٍ كان في يومٍ من الأيام مرآتك. والخيانة التي لا يسبقها شكّ، تُوجع أكثر. وياسر لم يخنني فقط، بل خان لحظةً نقية جمعتنا. خان الثقة، والعيش، والملح.
ما زلت أمرّ أحياناً قرب محلّه. تغيّر المكان. تغيّر كل شيء. حتى الهواء. لم أعد أملك الرغبة في الحلاقة، ولا حتى في الحكاية. لكنني، رغم كل شيء، لا أكرهه. أشعر بالأسى عليه. لأنه خسر صديقاً، ولم يربح شيئاً يستحق.
في حكاية ياسر، تتجلى مأساة الإنسان الذي يظن أنَّ السفر سينقذه من نفسه. لكنه حين يصل، يُدرك متأخراَ أن المشكلة لم تكن في المكان، بل في الروح. الصداقة ليست صفقة، والوفاء ليس عملة يتاجر بها.
هكذا انتهت الحكاية. أو لعلها لم تنتهِ بعد. فما تزال، في داخلي، مرآة مشروخة… لا تعكس إلا صورتي وأنا أودّع صديقي الذي لم يكن يوماً صديقي.

زر الذهاب إلى الأعلى