الأعمدة

بإصرار المتأسلمين.. الإعلان رسمياً عن نهاية الدولة السودانية

خالد أبوأحمد
في فجر الثلاثاء السادس عشر من يونيو 2026، وفي بقعة منسية اسمها (شمال الوادي) قرب الحدود مع مصر، ‏سقطت طائرات مسيّرة ومدفعية ثقيلة على معدنين سودانيين عُزل، لا يحملون سلاحاً، ولا يمثلون جيشاً، ولا ينتمون ‏إلى أي طرف من أطراف الحرب الدائرة في بلادهم. كانوا فقط رجالاً يحفرون بحثاً عن لقمة عيش في تراب وطنهم، ‏فوجدوا الموت قادماً من السماء، سقط منهم من سقط، وأصيب منهم من أصيب، وتناثرت جثثهم على سفوح جبل ‏العقيدات والجبل الأحمر، وظلت كذلك – بلا من يرفعها، وبلا من يعدّها، وبلا من يعلن عنها رسمياً‎.‎
ثم تكرر الهجوم في اليوم التالي..وتكرر الصمت معه‎.‎
لم يصدر الجيش السوداني بياناً، لم تصدر الحكومة كلمة، لم يخرج وزير خارجية، ولا متحدث رسمي، ولا حتى ‏تغريدة باهتة من تلك التي تُصدرها الدول حين تريد أن تقول شيئاً بلا أن تقول شيئاً، غضب السودانيون على منصات ‏التواصل، وأصدرت أحزاب وتنظيمات بيانات تندد وتستنكر، وناشدت منظمات حقوقية مجلس الأمن، وظلت الجثث ‏في العراء أياماً والدولة – إن كانت هناك دولة .. تتفرج‎.‎
هذا المشهد.. بهذه التفاصيل المهينة، ليس حادثاً عابراً يُضاف إلى سجل الحوادث الحدودية، إنه إعلان رسمي، غير ‏موقّع وغير مختوم، لكنه لا يحتاج إلى توقيع أو ختم، عن أن الدولة السودانية – بمعناها الحديث كجهة ذات سيادة ‏تحمي أرضها ومواطنيها وتحاسب من يعتدي عليهم – لم تعد قائمة. وأن من أوصل البلاد إلى هذه اللحظة ليس قَدراً، ‏بل مشروع سياسي محدد الهوية، أمسك بمفاصل الدولة لعقود، وصرف سيادتها بنداً بنداً، حتى وصلنا إلى لحظة لا ‏يستحق فيها دم السودانيين حتى بياناً‎.‎
حلايب وشلاتين ومحمد قول: أول الأرض المفقودة
لم تكن غارة شمال الوادي أول مرة تنتزع فيها مصر حقاً سودانياً بصمت سوداني مطبق، المنطقة الواقعة على ساحل ‏البحر الأحمر بمساحة تتجاوز عشرين ألف كيلومتر مربع هي أرض سودانية لكن مصر بسطت سيطرتها الفعلية ‏عليها منذ بداية التسعينيات، في التوقيت ذاته الذي كانت فيه الخرطوم تخوض مغامراتها الإقليمية والدولية تحت راية ‏‏”المشروع الحضاري”، ومنذ ذلك الحين، لم تستطع حكومات الحركة المتأسلمة أن تنتزع المنطقة من قبضة الاحتلال ‏الفعلي، ولا أن تحوّل المطالبة بها إلى قضية وطنية جامعة تُحشد لها الطاقات الدبلوماسية والشعبية، تحولت حلايب ‏من قضية سيادة إلى ملف مؤرشف، يُستحضر في المناسبات الخطابية ثم يُعاد إلى الدرج‎.‎
الجنوب الذي رحل ولم يَعُد
ثم جاء الانفصال.. في التاسع من يوليو 2011، رُفع علم جنوب السودان لأول مرة كدولة مستقلة، وسقطت أكبر دولة ‏في أفريقيا من حيث المساحة إلى ثلثها تقريباً، لم يكن الانفصال قراراً مفاجئاً، بل محصلة عقود من الحرب التي ‏أشعلتها وأدارتها وغذّتها سياسات الحركة المتأسلمة تجاه الجنوب، إلى استراتيجية “التمكين” التي عمّقت الإحساس ‏بالتمييز الديني والثقافي والاقتصادي. حين وُقّعت اتفاقية نيفاشا عام 2005 وأُعطي الجنوبيون حق الاستفتاء، كانت ‏النتيجة محسومة سلفاً في وجدان شعب أُريد إدماجه بالقوة فرُفض، وأُريد إقصاؤه فانفصل، خسرت الدولة السودانية ‏ثلث أرضها وثلث ثروتها النفطية وجزءاً من هويتها التعددية، في أكبر عملية تفريط بالسيادة الجغرافية تشهدها البلاد ‏في تاريخها الحديث‎.‎
حروب لا تنتهي
لم يكن الجنوب وحده ساحة الاشتعال، فدارفور انتفضت عام 2003 بعد سنوات فاستُقبلت بحرب استئصال استُخدمت ‏فيها مليشيات (الجنجويد) التي تحوّلت لاحقاً إلى قوات الدعم السريع – الطرف الذي يخوض اليوم حرباً مدمرة ضد ‏الجيش نفسه الذي أنشأها، وجبال النوبة والنيل الأزرق خاضا حربيهما الخاصتين. وحين انفجرت الحرب الكبرى في ‏أبريل 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع، لم تكن سوى الفصل الأخير في سلسلة متصلة من الحروب التي ‏تُنتجها بنية الدولة نفسها لا الظروف الخارجية: دولة بُنيت على المحاصصة الأمنية والعسكرية بين أجنحة متصارعة، ‏كلها انبثقت من رحم واحد، وتقاسمت السلطة والثروة بينما تركت الجغرافيا تحترق والمواطن يدفع الثمن، واليوم ‏تدخل الحرب عامها الرابع، وقد قُتل فيها عشرات الآلاف ونزح ملايين، بينما تتلقى مناطق بأكملها – مثل ما حدث في ‏شمال كردفان قبل أيام – ضربات بالمسيّرات تطال الأسواق والمدنيين دون أن ينسب أحد الجريمة لنفسه ودون أن ‏يُحاسَب أحد عليها‎.‎
حين استضافت الخرطوم الإرهاب العالمي
وما لم يُكتب بما يكفي من الوضوح في هذا السجل هو الفصل الذي ربط السودان، تحت حكم الحركة المتأسلمة في ‏التسعينيات، بشبكة الإرهاب العالمي. فقد فتحت الخرطوم أبوابها لأسامة بن لادن بين عامي 1991 و1996، ومنحته ‏ولشركاته الاستثمارية حرية الحركة، بينما تدفق على البلاد مئات من “الأفغان العرب” – المقاتلين العائدين من حرب ‏أفغانستان – ليجدوا في السودان قاعدة آمنة لإعادة التموضع والتخطيط وفي يونيو 1995، وفي أديس أبابا، تعرّض ‏الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك لمحاولة اغتيال نفّذتها خلية مسلحة، ووجّهت مصر ومجلس الأمن الدولي ‏أصابع الاتهام إلى الخرطوم بتقديم الدعم اللوجستي للمنفذين، الأمر الذي قاد إلى فرض عقوبات دولية على السودان. ‏تلك اللحظة لم تكن مجرد أزمة دبلوماسية عابرة، بل كانت الإعلان الأول – قبل ثلاثين عاماً من غارة شمال الوادي – ‏عن أن السودان تحت حكمالمتأسلمين كان يُدار كقاعدة ارتكاز لمشروع عابر للحدود، لا كدولة تحفظ لنفسها مكانة ‏آمنة بين الأمم‎.‎
خط واحد يصل كل هذه المحطات
من حلايب إلى جوبا، ومن دارفور إلى شمال الوادي، يمتد خط واحد لا ينقطع: مشروع سياسي وضع توسيع نفوذه ‏الإقليمي والعقائدي فوق سيادة الأرض وسلامة المواطن، فخسر الأرض والمواطن معاً. والمفارقة المريرة أن آخر ‏فصول هذا المسار لا يحتاج اليوم إلى تفسير إيديولوجي معقّد: يكفي أن نرى جثث معدنين سودانيين تُترك على جبل ‏في أرضهم، بصاروخ عابر للحدود، ودولتهم – التي يُفترض أن تكون درعهم – لم تجد كلمة واحدة تقولها‎.‎
ولم يكن صمت المتأسلمين عن كل هذا نتيجة غفلة أو قصور في الإدراك، بل كان خياراً متعمداً تكرر مع كل ‏صرخة. فكل نداء رفعه وطنيون شرفاء لإيقاف نهج يقود البلاد إلى الهاوية، قوبل بمزيد من التصلب، لا بأي ‏مراجعة، وكل دعوة إلى وقف سياسة “فرّق تسد” التي مزّقت النسيج الاجتماعي السوداني إقليماً إقليماً وقبيلة قبيلة، ‏رُدّت بتشديد القبضة لا بفكّها. وكل صوت طالب بالحرية وبتغيير يفتح الطريق إلى الأمن والاستقرار، أُسكت بالعصا ‏قبل الكلمة، وبالسجن قبل الحوار. فقد كانوا ولا يزالون يكرهون الناصحين من المكونات المدنية أكثر مما يكرهون ‏أعداءهم الحقيقيين.‏
ولم تكن آذان المتأسلمين أكثر انفتاحاً على نداءات الخارج مما كانت عليه في الداخل، فقد تجاهلوا تحذيرات متكررة ‏من قيادات عربية وخليجية وأفريقية دعتهم إلى التراجع عن صناعة الأزمات المتلاحقة، واستمروا – بإصرار يصعب ‏تفسيره إلا بإرادة المضي في مشروع دمار السودان حتى آخر مدى – في صياغة الكوارث واحدة تلو الأخرى، ‏والشعب يعاني من فوضى الأسعار، وغياب الأمن والاستقرار، وتسلط العسكريين على المدنيين، والفاقة قد ضربت ‏المجتمعات السودانية، هم وحدهم أعضاء الحركة المتأسلمة الذين يقبضون بتلابيب الحُكم من يعيشون في رفاهية ولا ‏ينقصهم شيء، وهم وحدهم من يسافر خارج السودان ويرجع محملاً بالهدايا من تركيا وقطر والإمارات والبلدان ‏الأوروبية، وهم بطبيعة الحال لا يشعرون بآلام الناس ولا بآهاتهم، حتى وصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم‎.‎
إن ما يحدث الآن على أرض الواقع ليس انهياراً مفاجئاً.. إنه نهاية معلنة، بإصرار، على مدى ثلاثة عقود ونصف، ‏حتى وصل السودان إلى لحظة لم تعد فيها كرامة مواطنه، ولا حتى دمه تستحق بياناً‎.‎

زر الذهاب إلى الأعلى