
محمد الفاتح حضرة
✊منذ فترة، تتداعى القوى المدنية والسياسية السودانية الوطنية، ومعها شباب ثورة ديسمبر، من أجل هدف واضح:
إيقاف هذه الحرب العبثية المدمرة، وإنقاذ ما تبقى من السودان، واستعادة مسار التحول المدني والانتقال الديمقراطي، وفتح الطريق أمام حوار سوداني واسع يجمع كل القوى السياسية والمدنية السودانية.
ولهذا ظلت الدعوة واضحة:
تعالوا نجلس جميعاً…
تعالوا نتحاور…
تعالوا نبحث عن مخرج للسودان.
لكن وسط هذا النداء الواسع، برز استثناء واحد أصبح له هاشتاقه المعروف:
«ما عدا المؤتمر الوطني»‼️
وهنا يأتي السؤال الذي قد يطرحه البعض:
لماذا؟! 🤔
لماذا تدعو القوى المدنية إلى اجتماع الجميع، ثم تستثني المؤتمر الوطني وجماعة ما يُسمى بالحركة الإسلامية، أو الاسم الذي صارت تقدم به نفسها اليوم:
«التيار الإسلامي العريض»؟!
🤔هل هو محض إقصاء سياسي ظالم ؟!
هل هو خوف من المنافسة؟!
هل هو إنتقام من الخصومة السياسية؟!
أم أن وراء هذا الاستثناء حيثيات أخرى تتعلق بالتجربة التاريخية والمسؤولية السياسية والجنائية عما جرى للسودان؟! 🤔
إن هذا المقال لا يهدف إلى الإجابة عن هذا السؤال بالشعارات.
بل أريد أن أضع أمام القارئ وقائع تمتد من 1989 وحتى 2026، ثم أترك له أن ينظر بنفسه:
بيوت الأشباح…
القتل والتعذيب…
إعدامات الضباط…
المفقودون والمختفون…
التاية…
دارفور…
الجنجويد…
أحمد الخير…
فض اعتصام القيادة العامة…
مفقودو الثورة…
الانتهاكات التي وقعت بعد الانقلاب…
ثم الجرائم والانتهاكات التي شهدتها الحرب الحالية من مختلف الأطراف.
وعندما نضع هذه الوقائع جنباً إلى جنب، لا يعود السؤال فقط:
من ارتكب هذه الجريمة؟!
بل يصبح السؤال الأخطر:
هل تتشابه كل هذه الجرائم مصادفةً… أم لأن وراءها مدرسة واحدة في التفكير والممارسة؟!
ومن هنا نصل إلى فكرة هذا المقال:
🩸 بصمة واحدة… ووجوه كثيرة: هل تكشف الجرائم والمجازر والانتهاكات في السودان عن مدرسة واحدة للعنف؟!
حين تتغير الوجوه والملابس والأسماء والرايات، ولكن لا تتغير طريقة التعامل مع الإنسان السوداني عندما يصبح في قبضة النظام الحاكم ، فهنا لا يجوز أن ننظر إلى كل جريمة وكأنها جزيرة منفصلة عن الأخرى..
هنا يجب أن نتسآل عن:
النمط…
والبصمة…
والمدرسة التي صنعت هذا السلوك.
⚖️ في علم الإثبات… لا تنظر أجهزة العدالة دائماً إلى الواقعة المنفردة المعزولة
في الإثبات الجنائي، قد تكون للوقائع المتشابهة قيمة إستدلالية عندما تتكرر بينها سمات جوهرية ومميزة، بحيث تكشف عن نمط سلوكي أو طريقة عمل مشتركة.
وهذا ما تدور حوله في الفقه الجنائي مفاهيم مثل:
Pattern Evidence
و
Modus Operandi
أي الاستدلال من النمط المتكرر وطريقة إرتكاب الجريمة.
طبعاً، لا يعني ذلك أن تشابه جريمتين وحده يثبت أن مرتكبهما شخص واحد.
لكن عندما يتكرر التشابه…
وفي أكثر من مكان…
وعبر سنوات طويلة…
وبالأسلوب نفسه…
ومع ذات السمات المميزة…
فإن التشابه يصبح خيطاً يجب على المحقق ألا يهمله.
وهذا بالضبط ما يستحق أن نضعه أمام تاريخ السودان كله.
🩸 ضعوا جرائم السودان جنباً إلى جنب… وأنظروا !!
في بدايات عهد الإنقاذ، عرف السودانيون بيوت الأشباح والاعتقال والتعذيب والقتل خارج الأطر القانونية.
ومن الصور التي بقيت في الذاكرة السودانية ما أرتبط بمقتل نقيب الأطباء الدكتور علي فضل بعد تعرضه للإعتقال والتعذيب، ومن بينها واقعة دق مسمار في رأسه.
ثم مضت السنوات…
فإذا بنا أمام المعلم أحمد الخير، الذي تعرض للتعذيب والقتل إبان فعاليات ثورة ديسمبر 2018 ، وفي واحدة من أبشع تفاصيل تلك الجريمة دُق خابور من الحديد في دبره ‼️
هل نحن أمام جريمتين منفصلتين ؟!
أم أنك هنا أمام عقلية إجرامية واحدة تنظر إلى جسد الإنسان وكرامته باعتبارهما مباحين عندما يصبح الإنسان في قبضة السلطة؟!
🩸 التاية… وست النفور
في سنوات الإنقاذ الأولي ، قُتلت الأستاذة التاية أبوعاقلة في سياق العنف السياسي داخل الجامعة..
ثم مضت السنوات…
وجاءت ثورة ديسمبر..
وجاءت المواكب.
وجاء إعتصام القيادة العامة.
وجاء إنقلاب البرهان وحميدتي وما أعقبه من مظاهرات شباب الثورة..
و سقط شباب وفتيات برصاص القمع.
ومن بين الوجوه التي بقيت في ذاكرة السودانيين:
ست النفور…
فتاة شابة، بوجهها البريء، أطفأت رصاصة حياتها وشوهت وجهها البريء ‼️
قد يتغير المكان…
وقد يتغير الزمان…
وقد تتغير القوة التي تحمل السلاح…
لكن السؤال يبقى:
هل تغيرت العقلية والعقيدة التي ترى في المواطن المعارض هدفاً مشروعاً للقوة؟!
🩸 دارفور… والقيادة العامة
ثم أنظروا إلى النساء أثناء هذه الحرب.
في دارفور، منذ 2003 وما بعدها، شهد الإقليم جرائم وانتهاكات واسعة، بينها الاغتصاب والعنف الجنسي، ارتبط بعضها بالقوات والمليشيات التي قاتلت إلى جانب الحكومة آنذاك، وفي مقدمتها الجنجويد.
ثم مرت السنوات…
وجاءت الخرطوم.
وجاء فض اعتصام القيادة العامة.
وظهرت تقارير وشهادات عن انتهاكات جسيمة، بينها العنف الجنسي والإغتصاب للمعتصمين .
مرة أخرى:
لعل المكان قد تغير…
والزمان تغير…
والضحايا تغيروا…
والأسماء قد تغيرت…
لكن السؤال المرعب:
هل تغيرت العقلية التي تتعامل مع جسد المرأة السودانية عندما تصبح في قبضة القوة؟!
🩸 الجريمة ليست فقط القتل!!
هناك نمط آخر ربما لا يقل خطورة عن القتل نفسه:
المفقودون…
المختفون…
المعتقلون قسرياً…
المحتجزون بمعزل عن العالم الخارجي…
الجثامين التي لا تُسلَّم إلى أهلها…
والمقابر التي لا يعرف أحد أين هي!!
في حوالي عام 1990، أُعدم 28 ضابطاً بعد محاكمات عسكرية أعقبت محاولة انقلاب رمضان، وظلت ظروف محاكمتهم ومصير جثامينهم ومواقع دفنهم من الملفات المؤلمة التي أثارت أسئلة عميقة في الذاكرة السودانية.
ثم جاءت حالات أخرى للمختفين والمفقودين، ومن بينها قضية الشاعر أبازر الغفاري، التي ظلت حاضرة في الذاكرة السودانية.
ثم مضت بنا السنوات…
فإذا بالمسلسل نفسه يعود.
🛑 من بيوت الأشباح إلى مفقودي القيادة العامة
في عهد الإنقاذ، كان يمكن أن يختفي الإنسان فجأة من أمام أسرته..
لا تعرف أين هو.
ولا تعرف من يحتجزه.
ولا تعرف هل هو حي أم ميت.
ولا تعرف متى سيعود.
ثم جاءت ثورة ديسمبر..
وسقط النظام.
لكن المفقودين لم يعودوا ..بل إزدادوا وتواصلت الظاهرة ‼️
وجاءت مجزرة فض إعتصام القيادة العامة، فأصبح المفقودون والمختفون جزءاً من واحدة من أكثر صفحات الثورة ألماً وغموضاً..
ثم في 2023اندلعت الحرب.
فإذا بالمسلسل نفسه يعود بصورة أوسع وأشد فتكاً..
مفقودون…
مختفون…
معتقلون قسرياً…
أسر لا تعرف مصير أبنائها…
جثامين لا تُسلَّم…
ومقابر لا يعرف أهل الضحايا أماكنها.
والأخطر أن الانتهاكات المتعلقة بالاحتجاز والاختفاء نُسبت خلال الحرب إلى أطراف متعددة، وليس فقط طرفا القتال.
وهنا لا بد أن نقول:
هذه الجريمة لا تخص طرفاً واحداً هو المجني عليه..
بل إنها جريمة ضد الإنسان السوداني..
جريمة ضد الإنسانية جميعاً ‼️
⚖️ ضحايا الإختفاء القسري
وهنا تعود «بصمة الجريمة القديمة» من جديد ‼️
قتل الإنسان جريمة..
وتعذيبه جريمة..
واغتصابه جريمة..
لكن أن تختطف إنساناً…
ثم تمنع عنه العالم…
ثم تمنع أسرته من معرفة مصيره…
يموت أو يُقتل…
ثم يختفي جثمانه…
فهنا لا تكون قد إرتكبت جريمة واحدة.
لقد أضفت إلى جريمة القتل جريمة محو الحقيقة.
فالإنسان لا يختفي وحده،بل
تختفي معه الحقيقة.
وتبقى أسرته معلقة ما بين الأمل والخوف والحزن والانتظار.
وهنا يصبح السؤال:
من اعتقل؟
من أخفى؟
من أمر بالاختفاء؟
من منع الأسرة من معرفة الحقيقة؟
من أخفى الجثمان؟
ومن يعرف مكان المقبرة؟!
🛑 ومن القتل إلى الكذب… ومن الجريمة إلى الإنكار
الأمر لا يتوقف عند العنف الجسدي.
منذ بدايات الإنقاذ، عرف السودان أنماطاً من استغلال النفوذ، وشراء المواقف السياسية، واستقطاب السياسيين، وصناعة التحالفات، وتقديم الوعود، ثم التخلي عن الحلفاء عندما تنتهي الحاجة إليهم.
ثم جاءت الثورة.
سقط النظام.
لكن كثيراً من أدوات العمل السياسي القديمة عادت في صور جديدة:
استقطاب…
شراء مواقف…
تخوين…
تشويه…
تضليل…
صناعة واجهات…
استخدام المال والنفوذ…
والسعي إلى إعادة إنتاج السلطة بأسماء جديدة.
وكأننا لم نغادر 1989…
بل حملنا 1989 معنا إلى 2019… ثم إلى 2021… ثم إلى 2023… ثم إلى 2026.
🛑 وهنا يصبح السؤال أكبر من:
«من الذي إرتكب الجريمة؟!»
إذا نظرنا إلى كل حادثة منفردة، فسوف نجد قاتلاً وضحية وسلاحاً ومكاناً وزماناً.
لكن إذا وضعنا الحوادث جنباً إلى جنب، فقد تظهر أمامنا صورة مختلفة:
طبيب يُقتل بطريقة وحشية في التسعينيات…
ومعلم يُقتل تحت التعذيب بعد عقود.
التاية تُقتل في الجامعة…
وست النفور تُقتل في الشارع بعد سنوات طويلة.
نساء يُغتصبن في دارفور…
ونساء يتعرضن للعنف الجنسي والإغتصاب الجزيرة وفي الخرطوم.
معارضون يُعتقلون ويُعذبون ويختفون…
يظلّ يتكرر الاختفاء والاعتقال القسري بعد الثورة وخلال الحرب.
ضباط يُعدمون وتظل أسئلة حول مصير جثامينهم…
ومفقودون في الحاضر لا تعرف أسرهم أين دُفنوا.
سلطة تستخدم المال والنفوذ لاستمالة السياسيين…
ثم نظل نرى ذات أدوات الإستقطاب للأنصار وشراء المواقف السياسية تتكرر بعد الثورة.
هل كل ذلك مصادفة؟! 🤔
ربما تكون بعض الوقائع منفصلة..
وربما تكون بعض الجرائم قد ارتكبتها أطراف مختلفة لا علاقة تنظيمية مباشرة بينها.
ولعل هذا هو بالضبط سبب ضرورة إجراء البحث والتحقيق.
🧠 لا تبحث عن الزيّ واليونيفورم… أبحث عن البصمة!!
قد يرتدي أحدهم زي الجيش..
وقد يرتدي آخر زياً أمنياً..
وقد يرتدي ثالث ملابس مدنية..
وقد يكون رابع في الجنجويد أو الدعم السريع أو إحدى المجموعات المسلحة المشتركة..
وقد تختلف الأسماء:
جنجويد…
دعم سريع…
كتائب…
خفافيش الظلام…
براءووون…
«ضبَّاحين»…
«عمل عدائي عمل خاص »…
«خلايا أمنية»…
وغيرها من المسميات..
لكنّ الجريمة في حد ذاتها لا ترتدي زيَّاً..
والاخلاق والسلوك الإجرامي لا يتغير بالضرورة بتغير إسم القوة أو لباسها.
فإذا تكرر:
القتل الوحشي…
والتعذيب…
والاغتصاب…
والنهب…
والإذلال…
والإخفاء…
والإنكار…
وحماية الجناة…
فإن من حقنا، بل من واجبنا، أن نسأل:
من علّم هؤلاء هذه اللغة؟!
من جعل القسوة بطولة؟!
من أقنعهم بأن خصمهم لا يستحق الرحمة؟!
من غسل عقولهم حتى أصبحت الجريمة في نظرهم دفاعاً عن الدين أو الوطن أو الجماعة؟!
ومن الذي صنع هذه المدرسة؟!
🛑 هنا تحديداً أقول:
هي مدرسة واحدة… وتلاميذها كثيرون!!
أنا لا أقول إن كل جندي في الجيش إسلاموي..
ولا أقول إن كل فرد في الدعم السريع حتماًينتمي إلى الجنجويد والحركة الإسلامية وحزب المؤتمر الوطني..
ولا أقول إن كل جريمة إرتكبها أحد أطراف الحرب يجب نسبتها تلقائياً إلى الحركة الإسلامية..
هذا ليس عدلاً… وليس قانوناً.
لكنني أقول شيئاً ربما هو أكثر دقة وكذلك أكثر خطورة:
إن هذا التشابه المتكرر في أنماط العنف، بين أدوات وقوى مختلفة إرتبطت تاريخياً أو سياسياً أو تنظيمياً بمنظومات القوة التي أنشأها نظام الإنقاذ والحركة الإسلامية، يستحق تحقيقاً مستقلاً يبحث عن الروابط التي تفسر هذا التشابه.
هل هناك تدريب مشترك؟!
هل هناك عقيدة قتالية مشتركة؟!
هل هناك توجيه أو تحريض مشترك؟!
هل هناك قيادات أو شبكات أو تمويل أو تسليح مشترك؟!
هل هناك خطاب واحد يبرر العنف؟!
هل هناك منهج واحد في التعامل مع الخصوم؟!
فإذا ثبت ذلك بالأدلة…
فإننا لا نكون أمام مجرد تشابه..
نكون أمام خيط يقود إلى المحرض والي الفاعل الحقيقي ‼️
🩸 وهنا تصبح «البصمة» أخطر من البندقية
البندقية يمكن أن تنتقل من يد إلى يد..
والزي يمكن أن يتغير..
والاسم يمكن أن يتغير..
والقائد يمكن أن يتغير..
لكن النمط السلوكي المتكرر قد يكشف شيئاً أعمق.
فإذا أثبت التحقيق أن مجموعات مختلفة قد إرتكبت جرائم متشابهة بصورة مميزة، وأن أفرادها تلقوا تدريباً متقارباً، أو خضعوا لتوجيه واحد، أو تحركوا وفق تعليمات مشتركة، أو ارتبطوا بسلسلة قيادة واحدة، أو استخدموا خطاباً تحريضياً واحداً…
فإننا هنا لا نكون أمام مجرد تشابه..
نكون أمام بصمة.
والبصمة قد تقود إلى المدرسة.
والمدرسة قد تقود إلى من أنشأها.
ومن أنشأها قد يقودنا إلى من درّب…
ومن موّل…
ومن سلّح…
ومن أمر…
ومن حرّض…
ومن تستر…
ومن وفر الحماية.
🛑 ولهذا لا ينبغي أن ندرس جرائم السودان كحوادث مستقلة متناثرة
ينبغي أن توضع الملفات كلها على الطاولة:
منذ 1989 وما بعده…
بيوت الأشباح…
إعدامات 1990…
المختفون والمفقودون…
التاية…
دارفور…
أحمد الخير…
شهداء الثورة…
فض اعتصام القيادة العامة…
مفقودو الثورة…
انتهاكات ما بعد الانقلاب…
ثم جرائم الحرب الحالية في كل أنحاء السودان.
ثم نضع أمام المحقق قائمة المتهمين :
الفاعل المباشر.
والآمر.
والمحرّض.
وسلسلة القيادة.
والتدريب.
والتمويل.
والسلاح.
والخطاب.
وطريقة إرتكاب الجريمة.
وطريقة إخفائها.
ثم نسأل:
هل هذه جرائم متفرقة… أم آثار أصابع لمدرسة واحدة؟!
🩸 أنا لا أريد أن أتهم بالظنّ… أنا فقط أريد أن أعرف الحقيقة!!
وهذه نقطة مهمة.
أنا لا أصدر حكماً قضائياً..
ولا أستبدل المحكمة بالمنشور..
ولا أريد أن أحمّل جماعة مسؤولية جريمة لم تثبت صلتها بها..
أنا أطالب فقط بأن نقرأ التاريخ كله معاً، وأن نبحث عن النمط، وأن نضع التشابه في مكانه الصحيح كقرينة تستحق التحقيق لا كحكم نهائي.
فالحقيقة لا تخاف التحقيق.
والبريء لا يخاف فتح الملفات.
والعدالة لا تخاف المقارنة.
أما من يخاف أن تُفتح كل الملفات…
فليجيب عن سؤال بسيط:
ماذا تخشى أن نجد؟!
🛑 وأخطر ما في الأمر…
أن الحركة الإسلامية قد لا تكون مجرد طرف سياسي في بعض هذه الجرائم.
قد يكون السؤال الأعمق هو:
هل كانت كل المنظومة الفكرية والتنظيمية والسياسية التي حكمت السودان منذ 1989، وما أنشأته من أجهزة وشبكات وميليشيات وأدوات قوة، هي البيئة التي أنتجت وأعادت إنتاج ثقافة العنف والاستباحة؟🤔
هذا السؤال لا ينبغي أن تجيب عنه الشعارات.
ينبغي أن تجيب عنه الأدلة.
الأوامر.
وسلاسل القيادة.
وسجلات التدريب.
والاتصالات.
ومصادر التمويل.
وشهادات الشهود.
والوثائق.
والفيديوهات.
ومقارنة أنماط الجرائم.
وحينها…
إما أن تسقط الفرضية أمام الأدلة، أو تثبتها الأدلة.
وهذا هو طريق العدالة.
🩸 السودان لا يحتاج إلى عدالة تبحث عن إسم… بل عن الحقيقة
لا نريد أن نختار قاتلاً واحداً ونحمّله كل جرائم السودان.
ولا نريد أن نختار ضحية وننسى بقية الضحايا.
نريد أن نعرف:
من قتل؟
ومن اغتصب؟
ومن عذب؟
ومن نهب؟
ومن أحرق؟
ومن اعتقل؟
ومن أخفى؟
ومن أمر؟
ومن حرّض؟
ومن موّل؟
ومن تستر؟
ومن أخفى الجثامين؟
ومن منع الأسر من معرفة مصير أبنائها؟!
أياً كان.
وأياً كان اسمه.
وأياً كان انتماؤه.
وأياً كان الزيّ الذي ارتداه.
فالدم لا يعرف الزيّ.
والجريمة لا تعرف الشعار.
والعدالة لا تسأل الجاني:
من أي جماعة أنت؟!
بل تسأله:
ماذا فعلت؟ ومن أمرك؟ ولماذا فعلت؟ وأين ضحيتك؟ وأين جثمانها؟!
🩸 وفي النهاية…
قد تتغير الوجوه.
وقد تتغير الأسماء.
وقد تتغير الرايات.
وقد تتغير الملابس.
لكن إذا بقي النمط نفسه…
فعلينا أن نبحث عن البصمة نفسها.
وإذا تكررت البصمة عبر عقود…
فعلينا أن نبحث عن المدرسة التي أنتجتها.
وإذا كانت هناك مدرسة…
فعلينا أن نعرف:
من أنشأها؟
ومن علّم فيها؟
ومن غسل العقول؟
ومن درّب؟
ومن سلّح؟
ومن أمر؟
ومن حرّض؟
ومن حمى الجناة؟
لأن الحرب السودانية ليست فقط حرب رصاص..
إنها أيضاً نتيجة أفكار زُرعت في العقول قبل أن تتحول إلى رصاص في صدور الناس.
ولذلك فإن إيقاف الحرب وحده لا يكفي.
إذا لم نقتلع ثقافة استباحة الآخر من جذورها، فسوف يأتي يوم يحمل فيه تلميذ آخر البندقية نفسها…
ويرتكب الجريمة نفسها…
تحت اسم جديد.
وهنا أقولها بكل وضوح:
🛑 لا تنظروا إلى الجريمة وحدها… انظروا إلى بصمة الجريمة!!
فربما تتعدد الوجوه…
وتتعدد الأدوات…
وتتعدد الرايات…
لكن البصمة الواحدة قد تقود إلى مدرسة واحدة.
والمدرسة الواحدة قد تقودنا، أخيراً، إلى الحقيقة التي ظل السودان يهرب منها منذ 1989.
والحقيقة، مهما طال دفنها… لا تموت.
﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾
✍️ محمد الفاتح حضرة
🧭 15 أغسطس 2026م
#السودان
#ما_عدا_المؤتمر_الوطني
#الحركة_الإسلامية
#بصمة_الجريمة
#الحرب_في_السودان
#المفقودون
#العدالة
#لا_لاستغلال_الدين
#لا_لاستباحة_الدماء



