
(اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ ۚ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ)
صدق الله العظيم
*د. عمر القراي*
(1)
وقعت اتفاقية مياه النيل الأولى، بين مصر وبريطانيا، التي كانت تمثل السودان الواقع تحت الاستعمار الإنجليزي المصري، ومستعمرات بريطانيا الأخرى في حوض النيل: يوغندا، وكينيا، وتنجانيقا، في 7 مايو 1929م. ولقد خصصت تلك الاتفاقية المجحفة لمصر 48 مليار متر مكعب سنوياً، بينما خصصت للسودان 4 مليارات متر مكعب فقط. وكان من شروطها أيضاً:
1- الاعتراف بما سُمِّي “الحقوق التاريخية والطبيعية” لمصر في مياه النيل.
2- منع إقامة أي مشروعات على النيل، أو روافده، في الأراضي الخاضعة للإدارة البريطانية، إذا كانت تقلل كمية المياه التي تصل إلى مصر، أو تؤخر وصولها، أو تؤثر في منسوبها، إلا بعد موافقة الحكومة المصرية.
3- إعطاء مصر حق الاعتراض “الفيتو” على أي مشروعات مائية في أعالي النيل قد تؤثر على حصتها.
4- التعاون في قياس وتصريف مياه النيل، وتبادل البيانات المتعلقة بالنهر.
يلاحظ أن الاتفاقية الاستعمارية الجائرة ركزت على الاعتراف بالحق التاريخي والطبيعي لمصر في مياه النيل، دون بقية الدول الإفريقية التي ينبع فيها النيل، وتغذيه بالأمطار، ويمر فيها بمساحة أطول من مصر. كما أعطت مصر حق الفيتو لمنع أي مشروع تقيمه أي دولة من دول حوض النيل، دون الحديث عن المشاريع التي تقيمها مصر على حساب حصة الدول الأخرى.
لقد جاء استقلال السودان، حسب اتفاقات دولية، على مراحل. فقد وقّعت بريطانيا ومصر اتفاقية الحكم الذاتي وتقرير المصير للسودان عام 1953م، ثم أُعطي السودان فرصة حكم ذاتي لمدة ثلاث سنوات، يُعطى بعدها الحق في الاستقلال التام. ولقد عُقدت أول انتخابات في نوفمبر 1953م، وتكونت أول حكومة وطنية في يناير 1954م، وكانت برئاسة السيد إسماعيل الأزهري، رئيس الحزب الوطني الاتحادي. وكان السيد ميرغني حمزة هو وزير المعارف والزراعة والري في تلك الحكومة. وكانت أولى المشاكل التي واجهته ضرورة التوسع في مشروع الجزيرة، بإضافة امتداد المناقل للمشروع. ولكن هذا التوسع كان يحتاج إلى بناء خزان لتوفير المياه، لأن السودان كان قد استنفد الـ4 مليارات متر مكعب التي أعطتها له اتفاقية عام 1929م. وكانت هناك دراسة قامت بها شركة “غيبر” الأسكتلندية لإنشاء خزان الرُصيرص وامتداد المناقل، فقام السيد ميرغني حمزة بالاتصال بالحكومة المصرية للسماح للسودان بتنفيذ تلك الدراسة. التقى مندوبو البلدين في سبتمبر 1954م بالخرطوم لمناقشة الأمر. غير أن مندوب مصر، د. محمد أمين، فاجأ الاجتماع بتقديم مجموعة من المشاريع المصرية، من بينها السد العالي. ولكن مستشار السودان للري، وعضو الوفد السوداني، السيد همفري موريس البريطاني، أصر على أن غرض الاجتماع هو بحث موضوع خزان الرُصيرص فقط، وأن السودان ليس لديه أي علم، أو مجرد معلومات، عن السد العالي؛ ولذلك يرفض الربط بين الأمرين. ولكن الوفد المصري رفض ذلك.
بدأت جولة مفاوضات ثانية في القاهرة، أكد فيها السودان رفضه لموضوع السد العالي، وإصراره على مناقشة خزان الرُصيرص. وفي ذلك الاجتماع رفض المستشار همفري فكرة السد العالي، وأوضح مضاره، وكيف أنه سيغرق منطقة حلفا، ويتسبب في تبخر كميات ضخمة من المياه. وفي ذلك الاجتماع تقدم السودان بطلب إعادة النظر في اتفاقية مياه النيل لسنة 1929م، ولكن الجانب المصري رفض أي حديث عن ذلك إلا بعد قيام السد العالي. راجع: د. سلمان محمد سلمان: خفايا وخبايا اتفاقية مياه النيل.
–
(2)
لقد كانت الظروف التي جرت فيها مناقشات موضوع المياه في غاية التعقيد، وتحتاج إلى وعي سياسي واقتصادي كبير، وغيرة وطنية عالية. فالسودان كان في فترة الحكم الذاتي 1953-1956م، وكان، من الناحية الدستورية، لا يزال تحت الحكم الثنائي الإنجليزي المصري. فالحكومة السودانية الوليدة كانت تتفاوض مع أحد حاكمي السودان، وهي مصر، وفي الوقت نفسه كانت ترفع شعار الوحدة مع مصر!! ومع ذلك فشلت في إقناع الدولة المصرية بأن ترى مصلحة السودان وحاجته الماسة إلى زيادة الماء؛ إذ إن الحكومة المصرية، بدلاً من أن تنظر إلى السودان كدولة شقيقة تسعى إلى الوحدة معها، ويجب أن تحاول كسب ودها لإغرائها بإتمام الوحدة، نظرت إليه كدولة منافسة لها على مياه النيل، فأصرت على مصلحتها المتعارضة مع مصلحة السودان، دون مراعاة لتلك الوحدة المزعومة المرفوعة كشعار!!
ولقد زاد الوضع سوءاً حين قام السيد إسماعيل الأزهري بفصل السيد ميرغني حمزة من منصبه كوزير للمعارف والزراعة والري، في 23 ديسمبر 1954م. ولم يعد، بذلك، طرفاً في المفاوضات. وعيّن بدلاً عنه السيد خضر حمد، سكرتير الحزب الوطني الاتحادي، وزيراً للري ورئيساً للجنة المفاوضات. وسواء اتخذ الأزهري هذا القرار بسبب خلافات سياسية داخل الحزب، أو بإيعاز من المصريين، فقد خلصهم من خصم شرس كان قد نازعهم بشدة.
أما لجنة السيد خضر حمد، فقد بدأت اجتماعاتها في أبريل 1955م. وطرح المصريون موضوع السد العالي، وذكروا، هذه المرة، أنه سيعود بالفائدة على البلدين، لأن المياه ستزيد، ويمكن تقاسمها بينهما، ورفع حصة السودان من مياه النيل. وقبلت لجنة السيد خضر حمد بقيام السد العالي، على أن يتم تعويض أهالي حلفا التعويض الكافي قبل قيام السد العالي. وبعد أن كسبوا هذا التنازل الكبير، طرح المصريون أنهم سيرفعون حصة السودان إلى 8 مليارات متر مكعب، بدلاً من الـ4 مليارات التي نصت عليها اتفاقية 1929م. وحين رفض الوفد السوداني، وطالب بما اقترحه المستشار البريطاني همفري، وهو 23 مليار متر مكعب، أعلن الإعلام المصري فشل المفاوضات، وحمّل مسؤولية فشلها للسيد خضر حمد، رغم مواقفه الحزبية الموالية لمصر. واتهموه بأنه عدو للنظام المصري، وأشاعوا أن جهاز الأمن المصري قد قبض عليه، ووجد عنده منشورات ضد الدولة المصرية. والحق أن جهاز الأمن المصري كان قد وجد مع السيد خضر حمد قصيدة للشاعر السوداني أحمد محمد صالح، يمدح فيها محمد نجيب، رغم أن عبد الناصر كان قد أبعده عن الحكومة، فاعتُبر ذلك عملاً ضد الحكومة المصرية. راجع المصدر السابق.
في 17 نوفمبر 1958م، حدث انقلاب عسكري بقيادة الفريق إبراهيم عبود، وحُلّت جميع الأحزاب السياسية. وسُلِّمت وزارة الري إلى الأميرلاي أحمد عبد الله. وترأس وفد المفاوضات أحد أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وهو اللواء محمد طلعت فريد. ومع أن وفد السودان كان قد طالب بمبلغ 36 مليون جنيه كتعويض، إلا أن وفد الحكومة العسكرية طلب مبلغ 25 مليون جنيه. ولكن الوفد المصري كرر إصراره على مبلغ 10 ملايين جنيه، فرجع طلعت فريد إلى الخرطوم، ثم عاد وذكر أن السودان يقبل بمبلغ 20 مليون جنيه، ولكن المصريين أصروا على مبلغ الـ10 ملايين جنيه. وحين رأى الوفدان ضرورة الاحتكام إلى طرف ثالث، اقترح الوفد المصري الرئيس جمال عبد الناصر!! وقبل الوفد السوداني ذلك، فقضى عبد الناصر بأن تدفع مصر 15 مليون جنيه!!
في 8 نوفمبر 1959م، وقع السيد زكريا محيي الدين، رئيس الوفد المصري، والفريق محمد طلعت فريد، رئيس الوفد السوداني، الاتفاقية التي سميت رسمياً “اتفاقية الانتفاع الكامل بمياه النيل”، وكان من أهم ما جاء فيها:
1- توزيع مياه النيل: فكانت حصة مصر 55.5 مليار متر مكعب، وحصة السودان 18.5 مليار متر مكعب.
2- إنشاء السد العالي: وافق السودان على إنشاء مصر للسد العالي، كما وافقت مصر على خزان الرُصيرص.
3- تدفع مصر مبلغ 15 مليون جنيه مصري كتعويض عن ترحيل أهالي حلفا، على أربعة أقساط، على أن تقوم الحكومة السودانية بترحيلهم في مدة لا تتجاوز يوليو 1963م.
4- إذا طالبت أي دولة من دول حوض النيل بزيادة حصتها من المياه، يتشاور السودان ومصر، ويتخذان موقفاً موحداً، ويتقاسمان أي التزام قد يترتب على ذلك.
ومما يُؤسى له أنه، بالرغم من جور هذه الاتفاقية وفداحة ظلمها، فإنها انطلت ليس على الحكومة العسكرية فحسب، بل حتى على أحزابنا السياسية الكبرى، وزعماء الطائفية الراعية لتلك الأحزاب. فبعد يومين من الاتفاقية، وقبل أن يصل الوفد إلى الخرطوم، أصدر السيد علي الميرغني بياناً يبارك فيه الاتفاقية، ويصفها بأنها “جميلة الأثر وكثيرة النفع”، وأنها جاءت “نتيجة للروح الطيبة التي سادت مفاوضات الوفدين، والتوجيه الحكيم الذي بذله رئيسا القطرين”. وفي 16 نوفمبر 1959م أصدر السيد الإمام الصديق المهدي بياناً يرحب فيه بالاتفاقية التي عُقدت بين البلدين الشقيقين، جاء فيه: “وإننا سبق أن أكدنا رغبتنا الدائمة وحرصنا الأكيد على إقامة أطيب وأقوى العلاقات بين البلدين الشقيقين”.



