الأعمدة

مقال من بريد الصفحة تحت عنوان: حتى أنت يا كُميل؟ كيف تحوّل السودان إلى مستعمرة مصرية كُبرى؟

#image_title
#image_title

✍️ بقلم: غزالي آدم موسى
لم يكن خبر توجه كامل إدريس إلى القاهرة في أول زيارة خارجية له، سوى المشهد الرمزي المكثف لما آل إليه السودان: بلد لا يملك قراره، ولا حتى قرارات زعمائه المفترضين. بلد لم يعد يُدار من داخله، بل من عواصم الآخرين، وعلى رأسها القاهرة… مصر التي لم تترك شبراً في الجسد السوداني إلا وغرسته بأنياب تبعية طويلة، تبدأ من رأس الدولة وتنتهي بالبزّة العسكرية.
نعم، كامل إدريس، الحالم السابق برئاسة السودان، ورمز الاعتدال القانوني الأممي، يبدأ مشواره نحو “إنقاذ البلاد” من باب القاهرة… كأنما التاريخ يسخر منا من جديد.
لكن لنعُد خطوة إلى الوراء، إلى أصل الداء، إلى لحظة التكوين ذاتها: الجيش السوداني.
هل هو “جيشنا” فعلاً؟ أم أنه، كما كتبنا سابقًا، ذراع مصر الطويل داخل السودان؟
مشروع تأسيس لا وطني
عندما أسست الإدارة الاستعمارية البريطانية الجيش السوداني، فعلت ذلك من خلال كوادر مصرية، وبعقيدة لا علاقة لها بالسودان أو أهله. كانت القاهرة هي الممر، والحاضنة، والمُلقِّحة للجنين العسكري الذي سيخرج لاحقًا على أهله لا عليهم. ولمّا استقل السودان شكليًا، ظلّت الروح تابعة، مبرمجة على طاعة القاهرة، لا طاعة الوطن.
القاهرة لا تُخفي نواياها
مصر لم تكن يومًا محايدة في الشأن السوداني. تدعم الجيش علنًا، وتقاتل معه ضمنًا. ترسل ضباطها لتدريب قوات الجيش السوداني، وترسل طائراتها لدعم قيادة البرهان حين يضعف. القاهرة لا تُراهن على “دولة سودانية”، بل على عسكر سودانيين موالين.
وكلما حاولت الثورة أن تُخرج السودان من دائرة التبعية، دفعت مصر بكل ثقلها لإجهاض المحاولة. لأن سقوط العسكر في السودان يعني خسارتها للذراع التي تُمسك بها نيلها، وحدودها، وأمنها الغذائي والاقتصادي.
كامل إدريس.. أم الكومبارس؟
زيارة كامل إدريس إلى القاهرة ليست “زيارة دولة”، بل إذن مرور. هي التوقيع على دفتر الحضور الإجباري الذي يخضع له كل من يحاول دخول نادي السلطة في السودان. ولا شيء أكثر رمزية من أن تكون أول وجهة خارجية له هي القاهرة. ليست أديس، ولا جوبا، ولا نيويورك التي يعرفها… بل القاهرة.
هل يمكن أن ينجو السودان من مصيره كمحمية مصرية؟
ليس قبل أن يقطع حبله السُرّي المسموم: الجيش.
فطالما ظلّ الجيش السوداني يُدار بعقلية المخابرات المصرية، وطالما ظلت النخب السياسية تبحث عن شرعية من عبد الفتاح (السيسي)، بدل أن تبحث عن شرعية من (الشعب السوداني الفضل)، فإن الخرطوم ستبقى مجرد ضاحية أمنية للقاهرة.
كلمة أخيرة
“حتى أنت يا كُميل؟” ليست فقط خيانة صديق، بل خيانة مشروع.
وكامل إدريس لم يخن الثورة، لأنه لم يكن جزءًا منها أصلاً.
لكنه بكل بساطة… أكّد أن السودان لن يُحكم من أبنائه ما دام الجيش يُدار من مصر.

زر الذهاب إلى الأعلى