
أ. شيماء تاج السر
في ظل حرب مدمرة تدخل عامها الرابع، تعيش المرأة السودانية واقعاً مزدوجاً من القهر: قهر الحرب التي تمزق جسدها وتهجرها من ديارها، وقهر قوانين ما زالت تُشرّع التمييز ضدها وتعتبرها مواطنة من الدرجة الثانية. يستعرض هذا المقال أبرز القوانين الجائرة على المرأة السودانية، ويوثّق أشكال المقاومة النسوية التي لم تتوقف رغم القمع والحرب.
جسد المرأة ساحة للصراع
منذ اندلاع النزاع المسلح في أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، تحوّلت أجساد النساء السودانيات إلى ساحة معركة حقيقية. وفي هذا السياق، أكّدت “آنا موتافاتي” -المديرة الإقليمية لهيئة الأمم المتحدة للمرأة في شرق وجنوب أفريقيا- أن «أجساد النساء أصبحت مسرحاً للجريمة في السودان»، مشيرة إلى عدم وجود أي أماكن آمنة يمكن للنساء الحصول فيها على الحماية.
ففي الفاشر وحدها، فرّ ما يقرب من 89 ألف شخص بعد سيطرة قوات الدعم السريع على المدينة في أكتوبر 2025. وأفادت النساء والفتيات اللواتي تمكّنّ من الفرار بتعرضهن لانتهاكات مروعة، شملت أعمال اغتصاب جماعي وفردي علني. كما وثّقت منظمة العفو الدولية شهادات 28 ناجية وناجياً تحدثوا عن عمليات قتل وضرب واعتداءات جنسية في الفاشر، وهي أعمال وصفتها الأمينة العامة للمنظمة “أنياس كالامار” بأنها «تشكل جرائم حرب». لكن العنف ضد المرأة السودانية لم يبدأ مع هذه الحرب ولن ينتهي بها؛ إذ إنه متجذّر في منظومة قانونية ما زالت سارية، تُشرّع التمييز وتُعاقب النساء على مجرد وجودهن.
القوانين الجائرة.. قراءة في التشريعات التمييزية
لعلّ ما عُرف بـ (قانون النظام العام) الصادر عام 1996 -وهو في الأصل حزمة لوائح محلية صُممت لتكريس القمع، مستندةً إلى مواد القانون الجنائي ومتجاوزةً لقانون الإجراءات الجنائية- كان الأكثر شهرة في قمع النساء تحت ذريعة “المحافظة على الآداب العامة”. فرض هذا القانون رقابة صارمة على الجسد، المظهر، حرية العمل، وحرية الحركة، ومَنَح شرطة النظام العام سلطات واسعة لتوقيف النساء ومعاقبتهن بتهم مثل “ارتداء زي فاضح” أو “إثارة الفتنة”، وذلك استناداً للمادة 152 من القانون الجنائي لسنة 1991 التي نصّت على عقوبة الجلد 40 جلدة أو الغرامة أو العقوبتين معاً.
ولم يقتصر الأمر على الملابس، بل امتدّ ليطال تفاصيل الحياة العامة، مثل تصاريح إقامة الحفلات ومراقبة التجمعات، وصولاً إلى منع تظليل السيارات الخاصة دون تفويض من وزير الداخلية. كانت تلك الإجراءات أداة للتضييق على المواطنين عامة وعلى النساء خاصة، لفرض رؤية أيديولوجية محددة على المجتمع.
ورغم أن الحكومة الانتقالية أقرّت إلغاء هذا القانون في عام 2020 -في خطوة اعْتُبِرت مهمة لمناهضة الإرهاب والتمييز- إلا أن الإلغاء ظل شكلياً إلى حد كبير؛ إذ استمر وجود المواد ذاتها داخل القانون الجنائي، وما زالت الشرطة في بعض الولايات تمارس صلاحيات مشابهة تحت مسميات ومواد قانونية سارية.
قانون الأحوال الشخصية: وصاية دائمة على المرأة
يُعدّ قانون الأحوال الشخصية للمسلمين لعام 1991 أحد أكثر القوانين خطورة على حياة المرأة السودانية؛ لكونه مستمدّاً من تفسير محافظ للشريعة، حيث وصفه باحثون متخصصون بأنه يمثل “الأوسع فجوة بين الجنسين” مقارنة بدول إسلامية أخرى.
على سبيل المثال، تُجيز المادة 40 من هذا القانون تزويج الفتيات الصغيرات (القاصرات)؛ حيث لا يحدد سنّاً دنيا للزواج بل يشير إلى “سن التمييز” أو البلوغ -والذي يُفسّر حيوياً ببدء الحيض مما يعني إمكانية تزويج الفتاة في سن العاشرة-. ورغم اشتراط القانون وجود “مصلحة راجحة” يقررها القاضي لتزويج القاصر، إلا أنها غالباً ما تكون ضمانات شكلية في ظل ضعف الرقابة القضائية، مما يسقط المصالح الحقيقية للفتيات.
إضافة إلى ذلك، ينص القانون على اشتراط موافقة وليّ أمر ذكر لمباشرة عقد زواج المرأة، ويُلزمها بطاعته أو طاعة زوجها، بينما يمنحها حق طلب الطلاق فقط لأسباب محددة أمام القضاء (كالضرار، العيب، المرض، أو عدم الإنفاق). تكرّس هذه الأحكام وضعاً قانونياً يضع المرأة تحت وصاية دائمة هي وصاية الأب في الصغر، ثم وصاية الزوج لاحقاً.
القانون الجنائي لعام 1991 : تجريم الضحية
من أخطر أوجه الظلم القانوني في السودان الخلط المستمر بين جريمة الاغتصاب وجريمة الزنا؛ فقبل تعديل عام 2015، كان يقع على عاتق الضحية عبء إثبات الاغتصاب بالتفصيل، وإذا عجزت عن تقديم الدليل القانوني، كانت تُحوَّل من ضحية إلى جانية وتُحاكم بتهمة الزنا، بينما يفلت الجاني من العقاب.
ورغم أن تعديل 2015 جاء لحماية الضحية من الملاحقة القضائية، إلا أن العقوبات الحدّية ما زالت تُطبَّق ضد النساء. ففي فبراير 2026، صدر حكم بالإعدام رجماً على سيدتين كانتا محتجزتين في سجن أم درمان (إحداهما من ولاية القضارف والأخرى من النيل الأزرق). يعكس هذا الحكم غياب العدالة في ظل انعدام التمثيل القانوني كحق دستوري وانهيار منظومة العدالة.
تأتي هذه الأحكام نتيجة مباشرة لـ “قوانين الأخلاق” المدمجة في القانون الجنائي لعام 1991، وهو إطار يستمر في معاقبة النساء والفتيات بشكل غير متناسب. وما يجعل الخطر قائماً أن قرارات العفو أو وقف التنفيذ لا تُبطل النص القانوني نفسه، مما يعني أن أي امرأة أخرى قد تواجه المصير ذاته مستقبلاً.
التمييز في قانون العمل.. فجوة بين النص والتطبيق
على الرغم من أن الدستور الانتقالي لعام 2019 أكّد مبادئ عدم التمييز والمساواة بين الجنسين، إلا أن قانون العمل السوداني لعام 1997 يخلو من أي نص صريح يحظر التمييز على أساس الجنس في بيئة العمل، ولا ينص على تكافؤ الأجر للعمل متساوي القيمة أو يضع معايير واضحة له. كما يفرض القانون قيوداً على عمل النساء في المهن التي يصنفها كالخطرة أو الأعمال الليلية دون تصريح من لجنة العمل المختصة، فضلاً عن تقليص مدة إجازة الأمومة إلى ثمانية أسابيع فقط مدفوعة الأجر، وهي فترة تقل بستة أسابيع عن المعيار الدولي المعتمد من منظمة العمل الدولية (14 أسبوعاً).
الحركة النسوية السودانية: تاريخ من مناهضة القوانين الجائرة
لم تبدأ مقاومة النساء السودانيات للقوانين الجائرة اليوم، بل هي حراك متجدد تمتد جذوره لعقود. فمنذ تأسيس الاتحاد النسائي السوداني عام 1952، نجحت النساء في تجاوز الحدود الجهوية والدينية والإثنية لتمثيل كافة أنحاء البلاد. وكان من أبرز إنجازات الاتحاد المبكرة إقرار مبدأ الأجر المتساوي للعمل المتساوي، وإلغاء “قوانين الطاعة” التي كانت تُجبر المرأة على العودة إلى بيت شريك مسيء.
ورغم المضايقات والانتهاكات التي واجهتها النساء في مختلف الحقب والأنظمة العسكرية، واصلن العمل بمثابرة. وفي ثورة ديسمبر 2018 التي أطاحت بنظام البشير، برزت النساء “الكنداكات” كقوة دافعة في الحراك الثوري وفي قلب المشهد السياسي.
استراتيجيات المقاومة في زمن الحرب
مع اندلاع حرب منتصف أبريل 2023، واجهت الحركة النسوية السودانية تحديات وجودية، لكن الناشطات تكيّفن مع الواقع الجديد وطوّرن استراتيجيات مبتكرة لمواصلة العمل الحقوقي، أبرزها:
اللامركزية كاستراتيجية بقاء: تاريخياً، كانت الخرطوم مركزاً للحراك النسوي، لكن مع تحول العاصمة إلى منطقة قتال، انتقل النشاط إلى الولايات الأخرى، مما عزّز مرونة الحركة وقدرتها على الصمود وسمح ببروز أصوات مناطق كانت مهمّشة سابقاً.
الدمج بين العمل الإنساني والحقوقي: أتاح تقديم المساعدات الإنسانية وتوزيع الغذاء غطاءً آمناً للوصول إلى مراكز النازحين وتوعية النساء بحقوقهن والدفاع عنهن دون مواجهة مباشرة مع السلطات.
تحويل البيوت والمنصات إلى مراكز تنظيم: مع تقلص المساحات العامة، أصبحت المنازل والمنصات الرقمية بدائل آمنة لعقد اللقاءات مع النازحات، ومناقشة سبل التعافي من الصدمات، والربط بين الناشطات في المناطق المحاصرة خاصة في دارفور وكردفان.
نحو إصلاح قانوني شامل
إن المطالبة بإصلاح القوانين الجائرة ستظل مستمرة حتى تُترجم إلى تشريعات فعّالة تُنهي الرفض الذكوري القائم على ذرائع دينية وسياسية. تُطالب النساء بإصلاح جذري يشمل كل القوانين وخاصة قانوني الاحوال الشخصية للمسلمين والقانون الجنائي ، ووقف العمل بالقوانين التي تستهدف النساء تحت مسمى الأخلاق، لإرساء نظام قانوني يحمي كرامتهن بدلاً من التمييز ضدهن.
ما تعيشه المرأة السودانية اليوم ليس مجرد أزمة إنسانية عابرة، بل هو نتيجة تراكمية لعقود من التمييز القانوني المنظّم. فالقوانين التي تُجيز زواج القاصرات وتُعاقب الضحايا وتُقيّد الحريات هي أدوات سلطوية تُنتج واقعاً يومياً من القهر. لكن في خضم هذا الظلام، تبرز مقاومة نسوية عنيدة تُثبت أن النضال من أجل العدالة لا يتوقف.
إن قضايا النساء لا تحتمل التأجيل إلى “ما بعد الحرب”؛ فالوقت لا يعمل لصالح القيود المفروضة عليهن، والعدالة النسوية في السودان ليست محض شعار، بل هي شرط أساسي لأي سلام حقيقي ومستدام. وبدون إصلاح قانوني شامل يضمن حقوق المرأة، سيظل السلام هشاً وستظل المرأة تدفع الثمن باهظاً كل يوم.



