الأعمدة

من برهان إلى أمريكا: رحلة طويلة من الرغبوية إلى الخيبة”

كمال الهِدَي
ظل كثير من المحللين وكتاب الرأي يرددون منذ انقلاب البرهان على حكومة الثورة أن العالم لم يعد يقبل بالانقلابات العسكرية، وأن البرهان لن يصمد وسيُجبر على التراجع. لكن ذلك لم يحدث. بل عاشت البلاد في فراغ سياسي كامل بسبب عجز البرهان عن تشكيل حكومة، إلى أن اندلعت الحرب اللعينة.
فهل اعتذر هؤلاء المحللون المفترضون؟ بالطبع لا، بل واصلوا أثناء الحرب انتاج نفس الكتابات والتحليلات الرغبوية التي تجد فيها قطاعات واسعة من شعبنا ضالتها.
و ما انفك نفس هؤلاء يملأون الصحف والفضاءات بالحديث عن تدافع العالم لحل مشكلة السودان. ومؤخراً صار شغلهم الشاغل التبشير بعزم الرئيس الأمريكي وإدارته على القضاء التام على جماعة “إخوة الشيطان” ،فنفرح ونهلل نحن بدافع كرهنا المشروع للمتأسلمين الذين قتلوا السودانيين وأفسدوا مجتمعهم ودمروا وطنهم.
لكن لا أحد منا يسأل: هل اكتشف الأمريكيون الآن فقط أن السودان بلد ذو موقع استراتيجي يؤثر على أمن البحر الأحمر؟ هل تنبهوا حديثاً فقط إلى علاقة المتاسلمين بإيران؟ أم تفاجأوا الآن بانتهازية حكامنا العسكريين واستعدادهم لتقديم كل ما تريده روسيا أو الصين مقابل البقاء في الحكم والهروب من المحاسبة؟
طبعاً لا. لكن الواقع أن الفراغ والانهيار التام لمؤسسات الدولة هو الذي أتاح لهم التدخل بالصورة التي يرون أنها مناسبة لهم.. لا لنا.
ولئن كان الكيزان قد وفروا البيئة المثالية لهذا التدخل، فإننا نتحمل نصيباً من المسؤولية أيضاً بغفلتنا وانجرارنا خلف التحليلات الحالمة. ولو أننا بذلنا نصف الجهد الذي أُريق في تسويق الأوهام، لصالح حملة قوية ضد الحرب منذ بداياتها، وسخرنا منصاتنا لتفنيد خطاب إعلام مرتزقة الكيزان، لكان وضعنا أفضل.
لكن المحير أننا، رغم كل ما جرى، لم نتعلم الدرس بعد. فما زلنا نكتفي بالتشفي من الكيزان على مواقع التواصل، ونهلل لكل خطوة أمريكية كأن خلاص السودان سيأتي من واشنطن.
وأحياناً أسأل نفسي: حتى لو ضمن لنا الرئيس الامريكي اختفاء آخر كوز عن المشهد تماماً.. ألن يكون ذلك قد جاء متأخراً جداً؟! وهل سنكتفي بالفرجة وننتظره أن يبني لنا الوطن الذي نحلم به ونُبدع فقط في التغني له؟!

زر الذهاب إلى الأعلى