الأعمدة

*جريمة مصر.. في قضية مياه النيل!! (2-2(

) اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ ۚ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ(صدق الله العظيم
*د. عمر القراي*
(1)
لقد كانت نتائج قيام السد العالي، كارثية على السودان. فقد أدى الى الترحيل القسري، لأكثر من 50 ألف مواطن من النوبيين السودانيين، وإغراق مدينة حلفا، و26 قرية شمالها وجنوبها، عاش فيها هؤلاء المواطنون، لآلاف السنين. وغرقت في هذه المأساة 200 ألف فدان من الأراضي الخصبة، وأكثر من مليون شجرة نخيل، وفواكه، وحمضيات. وضاعت آثار قديمة، لا تقدر بثمن، تمثل أقدم حضارة في التاريخ البشري. وخسر السودان أيضاً، معادن تحت هذه الأرض، لا يعرف أحد تقدير حجمها، وقيمتها، من نحاس، وحديد، وذهب، وغيرها. كما فقدنا شلالات، كان يمكن أن توفر توليد 650 ميغاواط من الكهرباء، لشمال السودان. يضاف الى كل ذلك، فقد النوبيون المهجرون لتراثهم، وتاريخهم، وذكريات طفولتهم (راجع د. سلمان محمد سلمان: بين سد النهضة والسد العالي). ولم يستح المصريون من القول بأن السد العالي، جاء بالنفع لمصر والسودان، رغم عدم إعطاء السودان أي شيء من الكهرباء، التي نتجت عنه، والتي تجاوزت 2 ألف ميغاواط!!
ولما كانت هذه مظالم واضحة، فقد أعرب د. سلمان في مقابلة تلفزيونية، عن دهشته من أن جميع الأحزاب السياسية، أيدت هذه الاتفاقية، ولم يعترض عليها أي حزب. وكان قد أشار في كتاباته، الى الأحزاب الكبرى، وأورد مقتطفات من تأييدها. وذكر أنه لم يعثر على أي وثيقة عدم تأييد أو إدانة من الأحزاب الصغيرة، كالحزب الشيوعي السوداني، أو حزب الاخوان المسلمين، وأضاف بعد ذلك الحزب الجمهوري.
وفي الرد على د. سلمان محمد سلمان، أشار د. عبد الله الفكي البشير، الى أن الأستاذ محمود محمد طه، نشر مقالاً في صحيفة أنباء السودان، في 14 سبتمبر 1958م، بعنوان “مشكلة مياه النيل”، نقد فيه اتفاقية مياه النيل لسنة 1929م. كما ذكر مقالاً آخر، عن الأزمة بين السودان ومصر واتفاقية مياه النيل، نشر يوم 25 أكتوبر 1958م. كما أورد شذرات من بيان الحزب الجمهوري بتاريخ 23/8/1958م الذي جاء فيه ( لتحسين العلاقة مع مصر يجب تصفية المسائل المعلقة معها فوراً مثل مياه النيل ومستعمرات الري المصري في الشجرة والجبل و ملكال ذلك بوسائل المفاوضات أو التحكيم). وكان تعليق د. سلمان إن كلما ما ذكر، حدث قبل التوقيع على اتفاقية مياه النيل الثانية في عام 1959م، فلا يمكن أن يكون نقداً لها (راجع حوارات د. سلمان و د. عبد الله الفكي البشير في صفحة الفكرة على الانترنت).
والحق أن موقف الحزب الجمهوري، يختلف عما عداه، فقد كان من البداية، يعتبر مصر شريكاً في الاستعمار، الذي دأب على مقاومته، منذ فجر الحركة الوطنية. فحين خرجت مذكرة مؤتمر الخريجيين، التي توافقت عليها الأحزاب، وتكون الوفد الذي ارسل الى مصر، وعقد مؤتمراً صحفياً هناك، وأعلن فيه أن جميع القوى السياسية السودانية اتفقت على (إقامة حكومة سودانية ديمقراطية حرة في اتحاد مع مصر وتحالف مع بريطانيا العظمى) (الرأي العام 28/3/1946م)، رفض الجمهوريون هذا الاتجاه. وجاء في تعقيب الحزب الجمهوري (اننا لا نفهم لماذا التقيد باتحاد أو تحالف، فنضع بذلك حق البلاد الطبيعي، في الحرية، موضع المساومة، بأن ندفع ثمن الحرية، اتحاداً مع هذه، أو تحالفاً مع تلك) (فيصل عبد الرحمن علي طه: الحركة السياسية والصراع المصري البريطاني بشأن السودان). ثم إن الحزب الجمهوري، واجه زعماء الطائفتين الكبيرتين، ببيان مشهور، شديد اللهجة، صدر في 18/2/1946م ومما جاء فيه (يا هؤلاء وهؤلاء أنتم تلتمسون الحرية بالانتماء للمصريين، فتتمسكون بأسباب رمام، وأنتم تلتمسون الملك بالبقاء تحت الانجليز، فتتهيؤون لدور الهر، الذي يحكي بانتفاخه صولة الضرغام. أنتم تريدون إبقاء المصريين، وأنتم تريدون إبقاء الانجليز، فإذا اجتمعت كلمتكم، فإنما تجتمع على إبقاء المصريين والإنجليز معاً) (الاخوان الجمهوريون: معالم في طريق تطور الفكرة).
ثم إن الأستاذ محمود، واجه قضية الهيمنة المصرية على السودان مبكراً، في خطابه بتاريخ 18 / 8 / 1952م للسيد محمد نجيب، بعد انقلاب الضباط على الملك. ثم واجه سياسات عبد الناصر، في التدخل، وفرض السيطرة، في خطابه للسيد جمال عبد الناصر في أغسطس 1958م. كما دعا في أكتوبر من نفس العام، لخروج السودان من جامعة الدول العربية. ولقد رأينا نقده لاتفاقية عام 1929م، ولذلك استبعد تماماً، أن يكون الحزب الجمهوري، لم يخرج مكتوباً عن اتفاقية مياه النيل لعام 1959م، واكتفى بالنقد العام، لمشكلة الحدود والمياه، الذي جرى كله في عام 1958م. كما استبعد أن يكون ذلك، نقداً لاتفاقية عام 1959م، على اعتبار أنه جرى اثناء اجتماعاتها، وما تسرب من تلك الاجتماعات، كما ذكر الأخ د. عبد الله الفكي البشير. وأرجح الاحتمالات عندي، أن وثيقة نقد الحزب الجمهوري لاتفاقية عام 1959م، قد صدرت، ولكنها فقدت، مثل مئات الوثائق التي فقدت، عند مداهمة رجال الأمن للجمهوريين، ومصادرة كتبهم، ووثائقهم، وملفاتهم، واعتقالهم في عام 1983م.
-(2)
يعتبر نهر النيل أطول نهر في العالم، إذ يبلغ طوله من منبعه في بوروندي، ورواندا، ثم بحيرة فكتوريا، في يوغندا، حتى مصبه في مصر، في البحر الأبيض المتوسط 6670 كيلو متر. تشترك فيه 11 دولة هي: بوروندي، ورواندا، والكنغو الديمقراطية، وكينيا، ويوغندا، وتنزانيا، واثيوبيا، وارتيريا، وجنوب السودان، والسودان، ومصر.
وتأتي 86% من مياه النيل من الهضبة الاثيوبية (النيل الأزرق والسوباط والقاش ونهر عطبرة)، بينما ترفد البحيرات الاستوائية، النيل بحوالي 14% من جملة مياهه. ومع ذلك، أعطت الاتفاقيات مصر حوالي 80% من مياه النيل، وأعطت السودان حوالي 15%، وتركت لبقية التسعة دول 5% فقط!! وبالرغم من أن الاتفاقيات بين مصر والسودان، قامت على أن جملة مياه النيل 84 مليار متر مكعب، إلا أن بعض الدراسات، ومنها دراسة برنامج الأمم المتحدة للتنمية، رفعت الرقم الى 109 مليار متر مكعب، وذكرت دراسات أخرى أنه يبلغ 120 مليار متر مكعب (راجع د. سلمان محمد سلمان: دخول اتفاقية الإطار التعاوني لحوض النيل لحيز النفاذ)
لقد دفع هذا الغبن الظاهر، دول حوض النيل، لإعادة النظر في أمر مياه النيل. فطرحت فكرة مبادرة حوض النيلNile Basin Initiative بشكل رسمي، في اجتماع في دار السلام، بتنزانيا، في 22 فبراير 1999م. ووقع تسع من دول حوض النيل، على تأسيس هذه المبادرة. وبعد ثلاث سنوات، بدأت حملة التصديقات. وكان الشرط هو أن يوقع اكثر من نصف الأعضاء، ويصادقوا على الاتفاقية، حتى تصبح قابلة للنفاذ. بدأت المصادقة بأثيوبيا في عام 2013م، تبعتها رواندا في نفس العام. وصادقت تنزانيا في 2015م، ويوغندا في 2019م، وبوروندي في 2023م. وفي 8 مايو 2024م، صادقت دولة جنوب السودان، على اتفاقية الإطار التعاوني لحوض النيل، وبذلك أصبح عدد الدول ستة، وهو النصاب المطلوب، لتقوم الاتفاقية وتصبح قابلة للنفاذ (المصدر السابق). ولقد رفضت مصر والسودان الاتفاقية تماماً، بناء على حق “الفيتو” الممنوح لمصر في اتفاقية مياه النيل لسنة 1929م، التي ابرمت وجميع دول حوض النيل، كانت تحت الاستعمار، بما فيها السودان. وبناء على ما جاء في اتفاقية مياه النيل لسنة 1959م، التي نصت على عدم حق أي دولة، في زيادة حصتها من المياه، إلا بموافقة مصر والسودان.
ثم جاءت الاتفاقية الاطارية التعاونية Cooperative Framework Agreement المعروفة باتفاقية عنتبي، فأكدت أن جميع دول حوض النيل، تتمتع بحقوق متساوية، من حيث المبدأ، ومختلفة حسب معايير الاستخدام المنصف المعقول. وبناء على هذه الحقوق، التي ضمنت اتفاقية استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية، التي دخلت حيز النفاذ في عام 2014م، تستطيع دول حوض النيل، أن تجد سنداً قانونياً دولياً يمكنها من إنشاء (مفوضية حوض النيل التي تكون مسؤولة عن إدارة حوض النيل والاشراف على استخدامات مياهه وحمايته وتنميته وتصبح الناطق الرسمي والممثل القانوني الدولي لحوض النيل) (المصدر السابق).
لقد وعت الدول الافريقية بحقوقها، قبلنا، وسارت الآن خطوات، في تغيير واقع الهيمنة المصرية القميئة، وما علينا الآن، بمجرد أن تقف الحرب، وتقوم الحكومة المدنية، إلا ان نصادق على الاتفاقية، ونقف مع الدول الأفريقية ونطالب معهم باتفاقية جديدة لتقسيم مياه النيل بصورة عادلة ومنصفة.
16 يوليو 2026م

زر الذهاب إلى الأعلى