الأعمدة

“رسالة مفتوحة” إلى الفريق أول عبد الفتاح البرهان والسيد كامل إدريس

أيها السادة،
يكتب إليكم شعب لم يعتَد التذلل، ولم تُكسَر له يوماً كلمة حق قالها بصدق وشجاعة. شعب أنجب المناضلين والشهداء، وأسقط طغاةً أشد منكم بأساً، وأكثر منكم عتاداً وجبروتاً. شعب صبر طويلاً، وأمهل كثيراً، لكن الصبر حين يبلغ منتهاه يتحول إلى موقف، والموقف حين تصوغه الحقيقة يتحول إلى كلمة لا رجعة فيها.
وهذه هي الكلمة.
لقد أخفقتم… وهذا ليس اتهاماً بل حكم التاريخ
لم تُبنَ الأوطان يوماً بالصمت على النهب، ولم تُصان السيادات بالتفريط في الثروات. وأنتم اليوم تقفون أمام شعبكم وأمام التاريخ بسجل لا يمكن إخفاؤه ولا تجميله: ثروات تُنهب على مرأى منكم، وحدود تُنتهك بعلمكم، وعقود تُوقَّع في الظلام باسم شعب لم يُستشَر ولم يُخبَر، وجنيه يتهاوى يوماً بعد يوم، ومواطن يعجز عن إطعام أبنائه فوق أرض يقول أهل الجيولوجيا إنها من أغنى أراضي الكون بما أودعه الله فيها من معادن وخيرات.
هذا ليس إخفاقاً عارضاً يُصلَح، ولا زلةً تُقال، بل هو نهج ثبت فشله وأثبتت الوقائع عجزه. والرجل الشريف حين يعجز عن حمل الأمانة لا يتشبث بها، بل يضعها بكرامة في أيدي من هو أقدر منه على حملها.
كلمة إلى الفريق البرهان
يا فريق، لقد أُسندت إليك قيادة مؤسسة عريقة بنى مجدها رجال أشداء دفعوا ثمن كرامتها من دمائهم. مؤسسة يفترض أن تكون درعاً لهذا الشعب لا سيفاً على رقبته، وأن تكون حارسةً للسيادة لا بوابةً يدخل منها الطامعون إلى خيرات هذا الوطن.
لكن ما الذي جرى؟
جرى أن الشاحنات الأجنبية تنقل ثروات هذا الوطن ليلاً ونهاراً، وأن مناجم الذهب السودانية باتت في قبضة شركات أجنبية، وأن الحدود التي يُفترض أن يحرسها جنودكم باتت أكثر انفتاحاً على الناهبين من أي وقت مضى. وفي مقابل كل هذا، صمت مطبق ممن يملكون القرار.
يا فريق، هيبة القائد لا تُقاس بالرتب والنياشين، بل تُقاس بقدرته على قول لا لمن يعتدون على أرض شعبه. وإن كانت هذه اللا قد ثقلت على لسانك، فالواجب الوطني والأخلاقي يقتضي أن تُفسح المجال لمن لا تثقل عليه.
تنحَّ يا فريق، بكرامة القائد الذي يعرف متى يضع السلاح، قبل أن يُكتب عنك في صفحات التاريخ ما لا تُحبّ.
كلمة إلى السيد كامل إدريس
يا سيد كامل، جئتم والناس يحملون بعض الأمل، لكن الأمل وحده لا يُطعم جائعاً ولا يُدفئ مشرداً ولا يُعيد إلى الوطن ما نُهب منه. جئتم ووجدتم بلداً ينزف من كل جهاته، لكن الجروح بدل أن تُضمَّد تتسع، والمواطن بدل أن يجد الراحة يجد المزيد من الأعباء والرسوم، حتى بلغ به الأمر أن يُطلب منه أن يدفع ثمناً لدفن موتاه.
رئاسة الوزراء في هذا الظرف الاستثنائي ليست منصباً يُشغَل، بل هي أمانة ثقيلة تحتاج إلى رجل لا تربطه قيود، ولا تُملى عليه شروط، ولا يجلس على كرسيه بإذن من العسكر. وإن كانت يداك مكبّلتين ورأيك مقيداً، فأنت في موضع لا تُحسَد عليه ولا يُحسَد عليه وطن.
ما يطلبه السودان منكم اليوم
لا يطلب منكم الشعب السوداني المستحيل، بل يطلب منكم أشرف ما يمكن أن يقدمه رجل في موضعكم:
أولاً: التنحي عن السلطة بإرادة حرة، قبل أن تنزعها منكم يد التاريخ قسراً كما نزعت من سبقوكم.
ثانياً: إسناد قيادة القوات المسلحة إلى ضابط وطني نظيف اليد، قوي الشكيمة، يستطيع أن يقول للناهب قف، وللمعتدي ارحل، وللمتجاوز على السيادة الوطنية إن هذه أرض لها أصحاب.
ثالثاً: إسناد رئاسة الحكومة إلى رجل مدني كفء، غير مدين لأحد بكرسيه، يضع السودانيين وحدهم نصب عينيه، ويعمل على انتشالهم من الحفرة التي أوقعهم فيها حكم العسكر وفلول النظام البائد.
الخاتمة
قال نيلسون مانديلا – الذي ذاق من الظلم ما يكفي لتحويل قلبه حجراً لكنه آثر أن يبقى إنساناً: “لا يمكنك بناء وطن وتنميته بينما أيدي اللصوص تعبث بخزائنه.”
والسودان لن يُبنى بأيدٍ مكبّلة، ولن يُصان بقيادة عاجزة، ولن ينهض بحكومة تعمل في الظل.
السودان يستحق أفضل مما أعطيتموه. وشعبه – الذي صبر طويلاً وضحّى كثيراً – يستحق قيادةً ترى فيه غايةً لا وسيلة، وتحمل همّه لا تُضيف إليه همّاً.
ارحلوا بكرامة، فالرحيل الكريم أبقى في صفحات التاريخ من التشبث المُذِل بكراسي زائلة.
والسودان – مهما طال ليله – سيجد فجره.
صادر عن أبناء السودان الغيورين على وطنهم

زر الذهاب إلى الأعلى