

ماهي اول اشارة نصية لتسرب العرب الى بلاد السودان؟
يبدو ان علاقات ارض كوش او النوبة بالعرب قد تجلت بصورة واضحة منذ ان فتح المسلمون مصر حوالي العام 636م ، حيث بعث عمرو بن العاص بعث ب عقبة بن نافع الى بلاد النوبة في العام 641م ، وتذكر المصادر العربية ان القوات الاسلامية واجهت مقاومة لا يستهان بها من قبل القوات النوبية ، ومن تلك الفترة اشتهر النوبيون الكوشيون ( برماة الحدق) ، مما دعا العرب المسلمين الى توقيع صلح في العام 651م عرف بالبقط. ويبدو ان الطرفين كانا متساويين في المصلحة والقوة ، ونستنتج ذلك من كتاب البلاذري( …ليس بيننا وبين الاساود عهد ولا ميثاق انما هي هدنة بيننا وبينهم…)، ويفهم من هذا انها هدنة امان تلزم الطرفين بعدم الاعتداء ، وتبادل المصالح التجارية.
وقد ظلت اتفاقية البقط سارية قرابة سبعة قرون استطاعت مملكة النوبة خلالها ان تحتفظ بكيانها السياسي والثقافي ، ولم يقتصر ذلك على الصعيد المحلي انما المناطق المجاورة حيث تاخر التعريب الثقافي وانتشار الاسلام حوالي سبعة قرون تقريبا. وخلال تلك الحقبة ايضا اوصدت مملكة النوبة باب التجارة المتجهة الى البحر الاحمر، كما ان طريق الحج الذي يربط سواكن وغرب افريقيا لم ينشط الا في عهد مملكة الفونج الاسلامية التي قامت على انقاض مملكة علوة المسيحية في منتصف القرن السادس عشر الميلادي.
شهد بداية الربع الثاني من القرن التاسع الميلادي تمردا على المعاهدات الاسلامية في اكثر من مكان في السودانة، حيث خرق البجة ما عاهدوا عليه منذ الخلافة الاموية فهاجموا حدود مصر في الفترة مابينة829- 830م حتى تم ردهم.
هل تقبل ملوك النوبة الوجود العربي بالبلاد؟
اشتكى الامير النوبي جورجيوس من ان بعض المسلمين في اسوان قد اشتروا اراضي في المريس من بعض النوبيين ، وقد لان بلاد النوبة املاكه وشعبها عبيده ، الا ان الدعوى اسقطت ولم يبت فيها ، ويلاحظ ايضا وجود بعض العسكر الاسلامي خلال تلك الحقبة في مدينة ابريم بالنوبة السفلى حيث طلب النوبيون من الخليفة المامون اخلاء المنطقة من هؤلاء العرب الا انه لم يتم ذلك.
الجدير بالذكر ان هذا الوجود للعرب والاستيطان ( ان صح التعبير) ورفضه من قبل السلطة الحاكمة خاصة كان في فترة ازدهار النوبة السياسي والثقافي اي القرنين التاسع والعاشر الميلاديين ، وتاثرت البلاد في تلك الفترة ثقافيا ببيزنطة ووضح ذلك من خلال استمرار العقيدة المسيحية وازدهارها ومن خلال اللوحات الفنية والكتابات واللغة النوبية المحلية والاغريقية الوافدة في بعض التصاميم الفنية.مما يدل على ان الوجود العربي كان تسربا وليس انتشارا حتى ذاك العهد.
الى اي مدى تاثر النوبيون بالعرب اجتماعيا؟
ظل العرب المسلمين في بلاد النوبة يدفعون خراج الاراضي التي تملكوها لملك النوبة المسيحي ، مما يدل على اعتراف هذه الجماعات العربية بامتداد ونفوذ الملك النوبي في المنطقة التي يعيشون فيها ،ويذكر مصطفى مسعد ان هذا النفوذ بمرور الوقت اصبح اسميا فقط ليس للعرب وحدهم انما النوبيين ايضا والذين بمرور الوقت اصبحوا احرارا شانهم شان العرب حيث تعايشوا معهم واخذوا عنهم افكارهم ونظمهم الاجتماعية ، حيث لم يعترف بالعبودية للملك سوى اهل المقرة الاصليين الذين يسكنون جنوب الشلال الثاني وهي المنطقة التي يحرم على العرب الدخول فيها الا للتجارة ، مما يعني لنا ان حوالي نصف سكان مملكة المقرة لم تعد تربطهم بملكهم تلك الرابطة القديمة ذات العبودية والطاعة العمياء.
نوب النوبة( ارض الذهب)
كما قال الاولون:
حوالي العام 868م حانت للعرب الفرصة للهجرة جنوبا وذلك عقب تاسيس الدولة الطولونية ، وذلك سعيا وطمعا في مناجم الذهب في مملكة النوبة المسيحية في منطقتها الواقعة بين ابوحمد ووادي العلاقي ، فقد حاول العمري الاستيلاء عليها حيث وصلت جنوده الى منطقة ابوحمد في العام 850م ، الا ان الملك زكريا بن الملك جورجيوس الاول تمكن من دحره فانسحب العمري الى مصر وامتد تفوذه من اسوان حتى عيذاب حيث استولى على مناجم الذهب هناك بمساعدة قبيلتي ربيعة وجهينة . ومن الواضح ان العمري كان يهدف الى اقامة امارة اسلامية تحت زعامته على ان ابن طولون نازعه في ذلك ، وواصل العمري اطماعه حتى ادفو الا انه اثر العودة الى مناجم الذهب حيث توفي هناك. وبعد وفاة العمري امتد الصراع بين القبايل العربية على امتلاك العلاقي ، الى ان تمكنت قبيلة ربيعة بمعاونة البجة على اخراج من خالفهم من القبايل العربية الاخرى.
ويذكر لنا المسعودي في كتابه مروج الذهب تسرب بعض الجماعات العربية من مصر جنوبا الى ارض النوبة ، فظهر كثير من التسرب العربي والافكار الجديدة فاستقرت جماعات من عرب قحطان وربيعة واشتروا بعض الاراضي من النوبيين.
وخلال القرن الحادي عشر الميلادي يبدو انه ومن خلال العلاقات النوبية الفاطمية توافدت المؤثرات الثقافية العربية على البلاد حيث ظهر لاول مرة فن الفخار النوبي المتاثر بالفن الفاطمي ، وذلك نسبة لتحسن العلاقات بين النوبة والفاطميين من جهة وبين الفاطميين والامبراطورية البيزنطية من جهة اخرى والتي تعتبر الراعي الروحي عبر العصور لممالك النوبة المسيحية. بلاحظ ان الجانب الاهم في تلك السياسة الحسنة بين النوبيين والفاطميين انها دفعت بكثير من القبايل العربية الى بلاد السودان عموما بحثا عن المراعي الخصبة ، كما كان معدن الذهب من المغريات الاخرى التي وسعت مداخل الهجرات العربية الى السودان.
ويذكر بروف احمد الياس في كتابه السودان الوعي بالذات وتاصيل الهوية” ان ابناء الكنز قد تعاونو مع غيرهم من الجماعات العربية في صعيد مصر في اول حملة مملوكية على مملكة المقرة في العام ء1275م ، حيث يستننج الياس انه ربما تخوف المماليك من تطور ونفوذ القبايل العربية في بلاد المقرة ، فبداوا اتباع سياسة جديدة تجاه القبايل العربية في بلاد المقرة تمثلت في ابعادهم وعدم السماح لهم بالاستقرار في تلك المناطق . ويتضح ذلك من خلال احد البنود التي فرضت على الملك النوبي شكندة ملك المقرة بعد حملة عام714 للهجرة ، فقد جاء البند( واني لا اترك احدا من العربان ببلاد النوبة ، ومن وجدته منهم ارسلته الى الباب السلطاني..) .
من خلال هذا المقال يمكن لنا ان نتسال …هل ذابت ام تلاشت الهوية النوبية امام موجات المد العربي الاسلامي؟..



