محمدالفاتح حضرة
يوماً بعد يوم لازال يُسدل ويُرفع وينكشف الستار يومًا بعد يوم عن حقائق أكثر مرارة في المشهد السوداني المُلتَهب، حيث تتناثر دماء الأبرياء وتتفكك أواصر المجتمع تحت وطأة صراع لا يبدو أنه يحمل أي معنى للجهاد أو الشهادة الحقة!!!
إن الحديث عن “الجهاد” و”الشهادة” في سياق القتال الدائر الآن بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، خاصةً من قبل أطراف محسوبة على جماعة الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني، لا يعدو كونه ستارًا زائفًا لتغطية أجندات سياسية ومصالح شخصية وصراع وتنازع داخلي بين أعضاء هذه الجماعة علي السلطة والثروة.
الجهاد الحقيقي:
له مفهوم أسمى من صراع السلطة.
الجهاد في الإسلام أوسع وأعمق من مجرد القتال المسلح. إنه يتضمن معاني نبيلة تركز على إصلاح النفس والمجتمع وإعلاء كلمة الله بالحق والعدل.
* جهاد النفس:
يعتبر هذا النوع الأسمى، ويعني مجاهدة الذات على طاعة الله ومقاومة الشهوات والمعاصي.
* جهاد الكلمة:
يتمثل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة.
* جهاد العلم:
يشمل السعي لطلب العلم ونشره بين الناس.
* الجهاد القتالي
(جهاد الدفع):
هو قتال الأعداء الذين يعتدون على المسلمين وديارهم، أو يمنعون الدعوة إلى الله، أو يضطهدون الناس بسبب دينهم. هذا النوع له ضوابط صارمة لحفظ الأنفس وصيانة الحقوق، ولا يرتبط بالسعي وراء السلطة أو الثروة.
تحريم قتال المسلم لأخيه المسلم:
نصوص قاطعة وردت في
القرآن الكريم والسنة النبوية تحرم بشدة قتال المسلم لأخيه المسلم، ويعتبرانه من كبائر الذنوب التي توعد الله فاعلها بعذاب عظيم:
* دليل ذلك من القرآن الكريم:
* قال تعالى:
﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 93].
هذه الآية وعيد شديد يوضح حرمة الدم المسلم.
* قال تعالى:
﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: 9].
هذه الآية تأمر بالإصلاح أولًا، ثم قتال الفئة الباغية حتى تعود إلى الحق، مع التأكيد على سرعة الصلح والعدل متى فاءت.
* من السنة النبوية:
* قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
“إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار”
(صحيح البخاري ومسلم).
* وقال صلى الله عليه وسلم: “سباب المسلم فسوق وقتاله كفر”
(صحيح البخاري ومسلم).
* وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض”
(صحيح البخاري ومسلم).
هذه الأحاديث تحذر بشدة من الاقتتال الداخلي وتؤكد على حرمة دم المسلم.
النية في الجهاد:
معيار القبول ورد الأعمال
إن الإسلام يؤكد على أن النية الخالصة لله هي أساس قبول أي عمل، بما في ذلك الجهاد.
ليس كل من يقاتل يُعد مجاهدًا في سبيل الله، بل قد يُحرم من ثواب الشهادة إذا كانت نيته ليست خالصة لوجه الله:
* عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياءً، أي ذلك في سبيل الله؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
“من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله”
(صحيح البخاري ومسلم).
هذا الحديث يضع المعيار الفاصل للجهاد الحقيقي:
وهو أن تكون الغاية إعلاء كلمة الله، لا الشجاعة الشخصية أو العصبية أو الرياء.
* ويؤكد حديث “الثلاثة الذين تُسعر بهم النار يوم القيامة” على هذا المبدأ، حيث يُذكر منهم المجاهد الذي قاتل ليُقال عنه شجاع، لكنه أُلقي في النار لأن نيته لم تكن خالصة لله
(صحيح مسلم).
وقف القتال مع الفئة الباغية: مبدأ الرحمة في الشريعة.
الإسلام لا يدعو إلى استئصال الفئة الباغية، بل إلى إعادتها إلى طريق الحق والعدل بأقل الخسائر الممكنة.
* أدلة وجوب الصلح عند الرجوع الي الحق:
* تؤكد الآية الكريمة
﴿فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا﴾
[الحجرات: 9]
على أنه بمجرد أن تعود الفئة الباغية إلى أمر الله، أي تقبل بالحق وتوقف بغيها وتجنح للسلم، يجب على الفئة (المحقة) أن توقف القتال فورًا وتشرع في الصلح بالعدل. لا يجوز الاستمرار في القتال بدافع الانتقام أو القضاء التام عليها.
* تتحول الفئة المحقة إلي فئة باغية برفضها الصلح:
يذهب الكثير من الفقهاء إلى أن الفئة التي كانت في الأصل (محقة) ، إذا رفضت دعوة الصلح ووقف القتال بعد أن جنحت الفئة الباغية للسلم، فإنها تتحول هي نفسها إلى فئة باغية!!!
هذا المبدأ يهدف إلى حقن الدماء وإشاعة السلم بين المسلمين، ويمنع تحول القتال المشروع ضد الباغي إلى حرب استنزاف لا طائل منها.
قراءة في الصراع السوداني: كشف الزيف وتداعياته.
إن المتتبع لتاريخ العلاقة بين أطراف الصراع في السودان يدرك تمامًا أن قوات الدعم السريع لم تكن سوى أداة طيعة في أيدي النظام السابق، الذي استخدمها لارتكاب أبشع الجرائم والانتهاكات ضد الشعب السوداني في دارفور ومناطق أخرى. هذه القوات كانت ضلعًا أساسيًا في مجازر الإبادة، وعمليات النهب والسلب، وحرق القرى، وتشريد المدنيين الأبرياء. بل امتد استخدامها، بمشاركة قادة الجيش الحاليين، في فض اعتصام القيادة العامة وقمع المظاهرات السلمية الرافضة للانقلاب الذي نفذه قادة الجيش الحاليين بالمشاركة مع قادة الدعم السريع الحاليين !!!
واليوم، بعد أن تغيرت موازين القوى داخل هذه الجماعة وتنازعت الأطراف على السلطة والمصالح ، نرى كيف يرفع البعض راية “الجهاد” و”الاستشهاد” في قتالهم ضد إخوتهم في قوات الدعم السريع !!!
هذا الادعاء يكشف عن ازدواجية ونفاق هذه الجماعة ..
فهل يقاتل هؤلاء الآن الدعم السريع دفاعًا عن الأبرياء الذين قتلوا في دارفور ، أو عن النساء اللواتي انتهكت حقوقهن منذ اكثر من عشرين سنة ، أو هم يدافعون جهاداً عن أهل تلك القرى التي دمرت على يد هذه الميليشيا التي كانوا هم من أنشأها واستخدمها؟
قطعًا لا!!!
إن الحقيقة الصارخة هي أن هذا القتال ليس إلا صراعًا على السلطة والنفوذ!!!
فالدعم السريع، الذي كان يدين بالولاء الكامل لجماعة الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني، قد تطورت طموحاته وأصبح يمتلك أجندته الخاصة في حكم السودان. عندما تمردت هذه القوة على صانعيها، واختارت مسارًا مستقلًا يلبي مصالحها ، تحول هذا الصديق القديم إلى “عدو وبغاة ” في نظر من كانوا يستخدمونه بالأمس ويثنون عليه الخير وينعتونه بكل صفات الشرف والشجاعة والجهاد !!!
الآثار المدمرة للصراع السوداني السوداني :
نسيان الأهداف تحت وطأة الحرب..
غالبًا ما تنسى الأطراف المتنازعة الأهداف المعلنة للقتال، أو تتجاهلها عمدًا، في خضم سعيها لتحقيق مكاسب وقتية على الأرض..
فبدلاً من حماية المواطنين وتحقيق الاستقرار، نرى صراعًا يُمزق النسيج الاجتماعي، ويُدمر البنية التحتية، ويهدد حاضر ومستقبل الأجيال!!!
* الكلفة الإنسانية الباهظة: خلف كل رصاصة وكل قذيفة، هناك قصة إنسانية مؤلمة. أسرٌ تشرّدت، أطفال تيتموا، نساء ترملن أو تعرضن للعنف، وشباب فقدوا أحلامهم!!
هذه ليست مجرد أرقام، بل هي أرواح بريئة تدفع الثمن الأكبر لصراع لا ناقة لهم فيه ولا جمل.
إن الحديث عن “الجهاد” يصبح عبثيًا عندما يكون ضحاياه الأساسيون هم الأبرياء الذين كان من المفترض حمايتهم.
* تدمير البنية التحتية والمستقبل:
الحرب في السودان ليست مجرد قتال بالأسلحة بين الجيش والدعم السريع، بل هو تدمير منهجي لمقومات الحياة!!!
المستشفيات والمدارس والجامعات والطرق والمنازل ،كلها تتحول إلى ركام!!!
إن هذا التدمير والخراب ، لا يؤثر فقط على الحاضر، بل يرهن مستقبل الأجيال القادمة و(يبشرهم) بعقود من الفقر والجهل والنزوح، مما يجعل أي حديث عن “بناء دولة الكرامة ” أو “تحقيق الرفاهية” مجرد وهم وكذب !!!
* تغذية التطرف والكراهية: إن الحروب الداخلية غالبًا ما تُفرز بيئات خصبة لنمو التطرف والكراهية.خاصةً عندما يتخذ الصراع طابعًا دينيًا أو عرقيًا أو قبليًا، فإنه سيُعمّق الانقسامات ويُصعّب المصالحة في المستقبل.
وكل هذا بالتأكيد، يتناقض تمامًا مع جوهر الإسلام الذي يدعو إلى الأخوة والوحدة والتراحم.
كلمة أخيرة:
لعل الخلاص هو في العودة إلى جوهر الدين..
إن الخروج من هذه الدوامة المدمرة يتطلب عودة صادقة إلى جوهر الدين الإسلامي، الذي يدعو إلى الرحمة والعدل وحفظ الأنفس والأموال والأعراض.
إن أي ادعاء بالجهاد في سبيل الله بينما تُداس هذه المبادئ هو ادعاء باطل.
السلام الحقيقي لا يمكن أن يُبنى على أكوام الجثث أو على أنقاض الوطن!!



