الأعمدة

مِنْ ثَكَنَاتِ “الدَّفْتَرْدَار” إِلَى شَرِكَاتِ الجِنِرَالَات: التَّأْرِيخُ الفَاضِحُ لِتَحَالُفِ العَسْكَرِ وَالمَالِ فِي السُّودَان

أسامة كنينة
الثكنات العسكرية التي ضربها الغزاة الأتراك على أرض السودان عام 1821م، ثم وسعها الاحتلال البريطاني، لم تكن يومًا مجرد مواقع لحماية الجنود؛ بل كانت نواة السلطة، ومركز الثروة، ومصدر القرار. وهذه الثكنات نفسها، وبمرور الزمن وتجمع السكان والأسواق حولها، هي التي تطورت وأصبحت أهم مدن السودان الحديثة. ثم جاء من بعدهم الحكام الوطنيون، فورثوا ذات الثكنات وذات المنطق، وواصلوا بناء الدولة من داخل أسوارها ، وهذه الثكنات لم تبق محصورة في حدودها الجغرافية؛ بل تمددت عقليتها لتشمل الفضاء العام كله. صار الحي السكني أشبه بثكنة عسكرية، وصارت إدارة الدولة ثكنة، وصار الاقتصاد ثكنة، وتحول المواطن العادي إلى جندي في معسكر كبير، يحرس مصالح قلة لا ترى في الوطن إلا إقطاعية استثمارية خاصة.
الحرب الشاملة التي تدور في السودان الآن تفرض علينا إعادة قراءة التاريخ والعودة إلى منصة التأسيس الأولي للدولة السودانية الحديثة لفك طلاسم هذه اللعنة الممتدة. فخلف هذا الحزام الأمني الصارم، والخراب الذي يطحن العاصمة والأقاليم، تختبئ الحقيقة الأكثر إثارة للصدمة.
تحالف مالي واقتصادي واحتكاري عريق بين العسكر والنخب المدنية والدينية، وحتى يومنا هذا، حيث أصبحت الدولة مجرد غنيمة يُحرس مركزها بالبندقية، ويُقسّم ريعها تحت الطاولة.
أولاً: هندسة البندقية.. كيف صنعت المعسكرات جغرافيا المدن؟
إذا تتبعنا نشأة كبريات المدن السودانية الحالية التي تمددت بعد دخول الاستعمار التركي ثم البريطاني، سنجد أن “السلاح” كان هو المهندس الأول لخريطتها الاجتماعية. فالخرطوم بدأت كمعسكر جيش ضربه القائد التركي عثمان بك عند المقرن لتجميع القوات، وكسلا بشكلها الحالي تأسست عام 1840م كحامية عسكرية متقدمة لإخضاع الشرق، وبارا تحولت من واحة بساتين إلى مركز سلطة إداري وعسكري للدفتردار عام 1821م.
وحتى المدن التي انتعشت مع السكة الحديد، مثل القضارف وكوستي، وبورتسودان، نُحتت أحياؤها حرفياً من دفاتر الجيوش؛ فالقضارف تضم حتى اليوم أحياء”المفرقعات” (مستودعات الذخيرة البريطانية)، و”الأسرى” (معسكر اعتقال أسرى الحرب العالمية الثانية)، و”الرديف” (سكن الجنود المسرحين من قوة دفاع السودان) (المربعات …الهجانة…السجانة… الديم ، العرضي..الخ )
لم يكن هذا التخطيط عمرانياً بمفهوم الحواضر المدنية، بقدر ما كان تخطيطاً أمنياً لحماية مركز السلطة وجباية الضرائب وإخضاع الداخل، وهو الدور الذي ورثته القوات المسلحة السودانية عن “قوة دفاع السودان” البريطانية واستمرت تؤديه بكفاءة حتى اللحظة؛ حيث تتوجه العقيدة القتالية والمجهود الحربي بنسبة 99% نحو الجبهات والمدن الداخلية.
ثانياً: التواطؤ المفضوح.. الشراكة العميقة تحت الطاولة
لم يكن الاستقلال السوداني عام 1956م لحظة قطيعة مع النموذج العسكري الاستعماري، بل كان تسليمًا سلميًا للحكم من الإدارة البريطانية إلى نخب وطنية مدنية وعسكرية، وافقت على استلام مفاصل الدولة كما هي: ثكنات تحرس مركز السلطة، وإدارة تستثمر الريع، وجيش ورث عقيدة “قوة دفاع السودان” في حماية النظام العام وجباية الضرائب. وهكذا، ومنذ البداية، تأسست الدولة على شراكة ضمنية بين العسكر والمدنيين، لم تكن يومًا صراعًا بقدر ما كانت تقاسمًا للغنيمة.
هذه الشراكة تجلت بوضوح في المشاهد السياسية والعسكرية اللاحقة :
تسليم حكومة السيدين السلطة طواعية للفريق عبود عام 1958م، واستخدام اليسار لقطاع “الضباط الأحرار” مع نميري عام 1969م، وهندسة الجبهة الإسلامية لانقلاب البشير عام 1989م. في كل مرة، كانت النخب المدنية والسياسية هي من تفتح الباب للبندقية، إما خوفًا على مصالحها، أو طمعًا في سلطة لا تستطيع وحدها تحقيقها.
لكن التواطؤ الأعمق ليس سياسياً، بل هو اقتصادي واستثماري بالدرجة الأولى. فالصراع الظاهري في الخرطوم بين “مدني وعسكري” قد يبدو في حقيقته مسرحية سياسية يروح ضحيتها الملايين .بينما خلف الكواليس، تظل المصالح مستمرة؛ فالعسكر يملكون سلطة السلاح التي تمنح “الحماية والإعفاءات الجمركية والقرارات السيادية الاحتكارية”، والنخب المدنية والتكنوقراط (الافندية) يملكون الخبرة المحاسبية والواجهات القانونية لإدارة المال وبناء “الشركات الرمادية” الموازية التي تسيطر على صادر الذهب، الصمغ العربي، الماشية، واستيراد السلع الاستراتيجية.
ثالثاً: ثنائية المهدي والميرغني.. الإقطاع الديني في خدمة البزنس العسكري
إذا أردنا شاهداً فاضحاً يعري طبيعة هذا التحالف التاريخي والمصالح الاقتصادية المستمرة منذ التركية الأولى، فلن نجد أبلغ من المسيرة الاستثمارية لأكبر بيتين سياسيين ودينيين في تاريخ السودان الحديث: آل المهدي (كيان الأنصار) وآل الميرغني (كيان الختمية).
الخطاب السياسي المعلن يقدم هاتين الطائفتين كرموز للوطنية والسيادة، والخطاب الحزبي يظهرهما كخصوم لدودين يتصارعون على صندوق الاقتراع. لكن دفاتر الحسابات البنكية وسجلات الأراضي السودانية تكشف حقيقة أخرى؛ فقد مثل البيتان الركيزة الرأسمالية الأكبر التي تزاوجت مصالحها مع الإدارة العسكرية (سواء الاستعمارية أو الوطنية) لتأمين امتيازاتها الاحتكارية:
إمبراطورية آل المهدي الزراعية والاستثمارية: عقب سقوط الدولة المهدية، التفت الإنجليز لخطورة كبح الأنصار بالقوة العارية، فقرروا احتواءهم عبر “البزنس”. مُنِح الإمام عبد الرحمن المهدي مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية الخصبة في النيل الأبيض (مثل دائرة المهدي ومشاريع الجزيرة أبا) واحتكار تجارة الأخشاب لبناء خطوط السكة الحديد. تحول الكيان الديني إلى شركة عملاقة عابرة للأجيال؛ فكان العسكر يوفرون الأمن اللوجستي للمشاريع وخطوط التصدير، وفي المقابل يدير التكنوقراط المدنيون من أبناء العائلة هذه الثروات، وهو بزنس استثماري وعقاري لم يتأثر بأي انقلاب عسكري؛ بل استمر تحت غطاء الشركات والوكالات التجارية، حيث لم تجرؤ أي سلطة عسكرية على مساس هذا الإقطاع المالي.
إمبراطورية آل الميرغني والتجارة العابرة للحدود: منذ دخول التركية الأولى عام 1821م، ارتبط آل الميرغني بعلاقة عضوية مع السلطة العسكرية الحاكمة لتأمين خطوط قوافلهم وتجارتهم في شرق السودان والشمالية. ومع دخول الإنجليز، تحول هذا النفوذ إلى إمبراطورية تجارية وعقارية ضخمة (دائرة الميرغني) شملت احتكار أراضٍ شاسعة في شرق السودان (طوكر وكسلا)وموانئ البحر الاحمر وامتلاك مساحات عقارية استراتيجية في قلب الخرطوم والخرطوم بحري. كانت المعادلة واضحة: يضمن العسكر استقرار الحدود وموانئ التصدير في بورتسودان، وتضمن العائلة تدفق الأموال وإدارة الأسواق عبر شبكة معقدة من رجال الأعمال المدنيين، مما جعل ثروة الختمية في مأمن من تقلبات السياسة وصراعات البندقية.
رابعاً: من “الجلابة” إلى الشركات الأمنية.. امتداد الطبقة الحاكمة
هذه الشراكة ليست وليدة اليوم؛ بل هي امتداد مباشر للتحالف الذي نشأ في القرن التاسع عشر في مدن مثل بارا والأبيض وكوستي، عندما تحالفت الحاميات العسكرية الاستعمارية مع كبار التجار المحليين (الجلابة) لتأمين تمويل الجند مقابل احتكار طرق القوافل.
تطورت الوجوه وتغيرت الرتب، لكن المعادلة ظلت ثابتة. بعد الاستقلال، ورث الجنرالات ورجال الأعمال المدنيين والبيوتات الطائفية نفس الامتيازات الاحتكارية. وبينما كان الجنود المنحدرون من هوامش السودان يموتون في معسكرات الرديف وحاميات القضارف وتوريت لحماية النظام العام، كانت التحويلات المالية، وعقود تصدير القطن، والمحاصيل، والمواشي، وعقارات الخرطوم تتدفق بسلاسة في حسابات الجنرالات وأمراء الإقطاع الديني والمدني على حدٍّ سواء. الحرب اليوم قد تفجر مدن الأقاليم، وتفقر الملايين، وتدمر البنى التحتية، لكنها لم توقف يوماً “البزنس” المشترك العابر للحدود لهذا التحالف الطبقي العريق.
كسر الدائرة الشريرة :
إن فهم الأزمة السودانية الحالية والوصول إلى “منصة تأسيس” حقيقية يمر بالضرورة عبر تفكيك هذا التحالف التاريخي العريق بين الثكنة والسوق والإقطاع الديني. طالما ظلت النخب المدنية والطائفية ترى في العسكر شريكاً اقتصادياً أو رافعة سياسية، وطالما ظل العسكر ينظرون إلى الدولة كـ “إشلاق” أو إقطاعية استثمارية خاصة، فإن الدائرة الشريرة للانقلابات والحروب لن تنتهي.
إن معركة الوعي الحقيقية تبدأ من حتمية المواجهة وكشف هذا التواطؤ المفضوح، والتأكيد على أن بناء دولة مدنية ديمقراطية يتطلب أولاً تصفية “اقتصاد الظل” العسكري-المدني، وإعادة أموال الشعب وحقول إنتاجه إلى خزينة الدولة الرسمية، لتتحول مدننا أخيراً من “ثكنات عسكرية” محصنة ومعزولة، إلى حواضر للتنمية والعدالة والمواطنة المتساوية.

زر الذهاب إلى الأعلى